9 أشياء سيئة في رواية ذاكرة الجسد.

تعتبر رواية ذاكرة الجسد للكاتبة أحلام مستغانمي من بين أشهر الروايات العربية وأكثرها مبيعاً (تجاوزت 3 مليون نسخة) كما أنها حصلت على جائزة نجيب محفوظ الأدبية سنة 1998. من خلالها تعرف الكثير من القراء الأجانب على الأدب العربي بفضل ترجمتها للغات أجنبية مختلفة مثل الفرنسية، الإنجليزية والإيطالية.

إنها بالفعل رواية مهمة، تستحق الدراسة والتحليل، خصوصاً لأن روايات مستغانمي أصبحت ظاهرة قرائية بين أوساط الشباب لأسباب عديدة… لكن ليست لدرجة أن تعتبر “ذاكرة الجسد” رواية خالدة أو علامة فارقة في الرواية العربية فأنا أرفض تمجيد العمل الأدبي لمجرد الشهرة الإعلامية والنجاح التجاري فالقيمة الأدبية والفنية هي الأمر الأساسي ثم التأثير الإنساني والمعرفي… ولهذه الأسباب أردت أن أشارك معكم هذا المقال النقدي لكي أعبر عن الأشياء التي لم تعجبني في الرواية وهذا لا يعني أن الرواية لم تعجبني على الإطلاق فأنا منحتها 3 نجمات من أصل 5.

هذه قائمة تضم أكثر الأشياء السيئة التي لم تعجبني في ذاكرة الجسد وهذا النقد ليس بالضرورة نقد أكاديمي موضوعي فهو يعبر أيضاً عن وجهة نظري الذاتية.

 

1- بنية الرواية اعتباطية.

 تضم الرواية 376 صفحة وقسمت لـ 6 فصول لكن لا أعرف على أي أساس تم هذا التقسيم لأن طريقة تقسيم الفصول لا علاقة لها لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالشخصيات ولا بتطور أحداث الرواية. تقسيمها اعتباطي وغير مرتبط بأي بنية سردية محددة، مما يعني أن القارئ لن يتذكر متى بدأ فصل ما ومتى انتهى الفصل الموالي لأنه لا توجد رموز أو علامات بارزة يمكن من خلالها التمييز بين الفصول الستة للرواية.

 

2- هيمنة التيمة الرومانسية على التاريخية.

قبل القراءة وبسبب إثارة موضوع الثورة الجزائرية والترويج الإعلامي للرواية توقعت أن الرواية تاريخية تروي أحداث مرتبطة بنضال حركة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي الإجرامي لكن بعدما بدأت قراءتها وجدت أنها رواية تاريخية ذات بعد رومانسي- نفسي وأن البعد التاريخي للرواية موجود بشكل هيكلي فقط أما المضمون المحوري فهو نفسي ويتأسس على موضوع الذاكرة. فشخصية خالد بن طوبال، الرسام الذي فقد ذراعه في الحرب، يعتمد على ذاكرته وعلى ضمير المتكلم لكي يروي وقائع من حياته، انفعالاته وخواطره وعلاقته بحياة، الطالبة الجامعية التي يحبها لكنه لا يستطيع الزواج منها. كانت الرواية ستكون أفضل لو ركزت الكاتبة على ما هو تاريخي خصوصاً لأنه توجد أحداث تاريخية هامة من أهمها العشرية السوداء. في النهاية تقول في لقاء صحفي أن رواية ذاكرة الجسد مُحملة بنصف قرن من تاريخ الجزائر. لا تعليق !!

 

3- النقد السياسي الناعم.

النقد السياسي هو أفضل عنصر موجود في الرواية فهذه الأخيرة تسلط الضوء على الثورة الجزائرية وعلى الفساد السياسي والنفاق الاجتماعي في فترة ما بعد الاستقلال في طبقة رجال الأعمال والسياسيين لكن المشكلة هي تجاهل  طبقة رجال الدين وأشباه المثقفين فهؤلاء هم الذين خربوا أوطاننا بالانتهازية والرشوة ومختلف مظاهر الفساد الأخلاقي الأخرى. لا أتفهم لماذا لا توجد إشارة لهم في الرواية (بالإضافة للرئاسة الجزائرية) مع العلم أن تأثيرهم حاضر بقوة في الساحة السياسية.

 

4- المبالغة في الزركشة اللغوية.

صحيح أن الأسلوب اللغوي في الرواية جميل، مميز ويشد انتباه القارئ ويثير إعجابه واستمتاعه. لكن المبالغة أترث بالسلب في بعض المقاطع لدرجة الابتذال اللغوي. التداخل بين الشعر والنثر مميز جداً وهو تحدي لكل روائي لكن حينما تهيمن الوظيفة التزينية/ الإيقاعية على الوظيفة الدلالية يثير الأمر مشكلة، فالشكل والمضمون من وجهة نظري يجب أن يتكاملان.

في بعض المقاطع لاحظت أن ما يهم الكاتبة أكثر هو التلاعب بالكلمات وليس توصيل فكرة معينة، وبالتالي لم يعد هذا الإختيار وظيفي بل مجرد عادة روتينية اتبعتها في كل فصول الرواية من دون أية خصوصية. هذا الأمر سيؤدي إلى تكريس الأحكام المسبقة على الكاتبات وأنهن يركزن على الشكل والمكياج وليس الجوهر.

 

5- غياب الهوامش التفسيرية.

اختارت الكاتبة أن تستعمل مصطلحات أجنبية باللغة الفرنسية وتعبيرات عامية باللهجة الجزائرية لكن لم تكلف نفسها عناء إضافة شرح أسفل الصفحات أو في الملحق. لست ضد التعدد اللغوي أو تنويع مستويات اللغة لكن يجب مراعاة أن الرواية موجهة لقارئ ناطق بالعربية وليس بالضرورة قارئ يفهم اللهجة الجزائرية أو اللغة الفرنسية.

 

6- ضعف الحبكة وغياب التشويق.

الرواية تدور أحداثها في فرنسا والجزائر وتسلط الضوء على أحداث تاريخية مهمة جداً في التاريخ الحديث للجزائر كما أن علاقة الحب بين خالد وحياة هي علاقة مركبة ويتداخل فيها ما هو عاطفي بما هو عائلي وأخلاقي ولكن مع ذلك لا يوجد صراع درامي نهائياً في القصة، الحبكة ضعيفة: ربما لأن الرواية اعتمدت على الاسترسال في الخواطر والمونولوج الداخلي للشخصية الرئيسية. لم أشعر أنه في مقطع أو في فصل معين وصلت الرواية لنقطة الذروة (انفجار الأحداث) كما أنه لا يوجد حل للعقدة أو نهاية لها علاقة بتطورات الأحداث.

ضعف الحبكة أدى إلى غياب عنصر التشويق في الرواية وهذا ما جعل الكثيرين لا يكترثون للنهاية لأنه لا يوجد غموض أو أحداث تثير حماس القارئ لمعرفة إلى ماذا سوف تؤول الأحداث.

 

6- الحشو والإطالة.

هناك الكثير من الحشو اللغوي الذي لا فائدة منه غير إثارة مشاعر الملل بسبب الإيقاع البطيء للسرد. هذا الحشو اللغوي جعلني أشعر أن الكاتبة تتعمد الإطالة لمجرد أن تضاعف عدد الصفحات كي تحصل على رواية طويلة. هناك صفحات بالفعل ليست لا بسرد ولا بوصف… مجرد إطناب كان يمكن التخلص منه. لم أفهم الغاية من إقتباس بعض الأغاني العامية الشعبية أو الإقتباسات التي كتبت بخط غامق. كان هناك الكثير من التكرار (تكرار في بعض الشبيهات أيضاً) لدرجة الملل وخصوصاً في الفصلين الأخيرين.

 

7- الطرح الذكوري للجسد الأنثوي.

الرواية حديثة ومعاصرة لكنها كانت تقليدية في طريقة تناول الجسد الأنثوي. صحيح أن السارد في الرواية هو رسام وفنان مثقف ومشهور يعيش في فرنسا ويعيش حياة متحررة لكنه مع ذلك فهو لم يتخلص من نفس التصور الاجتماعي العربي الذكوري للمرأة، لا أحاسبه على ذلك لكن بما أن الرواية تجعل من الجسد موضوعاً لها كان من الممكن تكريم الجسد وتقديمه بصورة أفضل عوض اعتباره مجرد عنصر للإثارة. الكثيرات يعتقدن أن الرواية نسوية وضد الذكورية لكنها ليس كذلك فهي تكرس نفس الصورة النمطية لجسم المرأة التي تعتبر مجرد أداة للغواية والإغراء الجنسي لإرضاء الرجل.

 

8- تقطع السرد.

هناك جمل أقرأها وبشكل فجائي تنتهي وهناك عشرات الجمل التي تنتهي في منتصف الصفحة بواسطة علامات ترقيم مكررة. هذا أثر بشكل سيء على التناغم بين السرد والحوار والوصف فالمقاطع السردية والحوارية مثلاً تتميز بعدم الانسيابية. وبمجرد نظرة على شكل الصفحات سوف يجد القارئ الكثير من الفراغات البيضاء والكثير من أنصاف الأسطر وقد تتسائل هل هذه رواية أم مجموعة أشعار.

 

9 – ثغرات أو أشياء لم تقنعني.

– لم أشعر أن السارد في الرواية ذكر (الشخصية الرئيسية = خالد بن طوبال) بل شعرت أن الذي يكتب هو (أحلام) إنها تكتب بضمير المذكر وتعبر بلسان خالد وأتوقع لو أضافت وجهة نظر المحبوبة لكان ذلك أفضل فهذا سوف يمنح بعض الحيوية والتنويع على الرواية كما سيمنح قصة حبه مصداقية أكبر: من المفترض أن حياة، شخصية غير ثانوية فخالد يتكلم عنها باستمرار لكن مع ذلك لم أعرف طبيعة مشاعرها بوضوح ولا حتى وجهة نظرها في القصة.

– كيف ترضى الطالبة الجامعية الشابة بزواج تقليدي مدبر بين عائلتين تحكمه مصالحهم من دون مراعاة لمشاعرها ورغبتها وهي الفتاة التي درست في فرنسا وتم تقديمها على أنها مثقفة وقوية الشخصية.

– تشبيه حياة بالوطن أو بمدينة قسنطينة غير مقنع فهي  كرهت المدينة حينما زارتها. لا أعلم، لكن ربما سبب التشبيه هو أن علاقة الحب بين خالد وحياة غير متبادلة ونفس هذا الأمر ينطبق على علاقة حبه مع الجزائر التي تركها في الأخير مرتمياً في أحضان فرنسا.

– ما هو سبب استعارة شخصية خالد بن طوبال من رواية الكاتب مالك حداد.

– لماذا اسم حياة الرسمي هو أحلام، وهل يمكن اعتبار الرواية سيرة ذاتية لأنه يوجد  تشابه بين أحلام مستغانمي وشخصية أحلام في الرواية.

– كيف تحول المناضل صاحب اليد الواحدة إلى رسام عبقري وكيف وصل لهذه الشهرة في بلاد المهجر، نفس البلاد التي حارب ضد استعمارها في الجزائر وكيف يهدي خالد بن طوبال كل لوحاته الثمينة لعشيقته الفرنسية، لأي هدف فعل ذلك ؟… إلخ

 

 

ملاحظة: رغم كل الملاحظات المذكورة لقد استمتعت بقراءة هذه الرواية وسأكمل الثلاثية لأنه توجد أشياء أعجبتني سواء على مستوى اللغة المميزة أو على مستوى الأفكار العميقة بخصوص مواضيع مثل: الفن، الكتابة الإبداعية، الحب، والوطن.

سبق أن نشرت مقال عن أحلام مستغانمي بعنوان 6 أسباب تجعلني أشكر أ.م.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف