نعم… باولو كويلو زفني إلى محمود درويش !

من الملاحظ أن موضة التشويه بسمعة كاتب (على سبيل الجهل أو الغيرة) والتنكيل ببعض الكتب أصبحت رائجة جداً. إذا ما استثنينا كتب الطبخ وتفسير الأوهام التي تزداد مقروئيتها و شعبيتها يوما بعد يوما (طبعا فنسبة الوعي في مجتمعاتنا في ازدياد رهيب)
حتى تبدوا مثقفا و لديك ذوق رفيع في مجال الأدب والقراءة عليك التشهير بأن كتب ذاك الروائي هي مجرد تجارة لا غير و الآخر يكون قد اختار قصته هذه بالذات لأن معظم النساء تعشن على أيامنا القصة ذاتها ( حب ممزوج بتناقضات و خيانات…) و يكون قد كتبها من أجل الشهرة و النجومية… الخ

كل هذا يذكرني بمراهقتي، وقتها لم أكن أحب القراءة وكنت أجدها مملة و تجلب النوم إذا ما استثنيت تصفح بعض المجلات: العربي الصغير ، مجلة عرفان، مجلة نونو، و مجلة اقرأ) إلا أن دخلت ذات يوم إلى مكتبة لانتظار صديقتي .. ومن بين الكتب المصطفة على الرفوف والواجهة شدني كتاب باللغة الفرنسية متوسط الحجم عنوانه “Maktub” و اسم كاتبه لم يكن عربيا يعني انه لم يكن مترجماً من اللغة العربية ….. فجأة عصفت بي الكثير من الأسئلة:
ترى في عالم تغلف الاسلاموفوبيا فيه الكثير من العقول الغربية … ما الذي جر كاتبا غير عربي على اختيار هذا الاسم بالذات “مكتوب” ..ذو الإيحاءات المسلمة ؟

فتحته و قلبت صفحاته وجدت عليها نصوصا قصيرة نوعا ما، ثم قلبت الكتاب لأقرأ الملخص … راقت لي كلماته المطمئنة و الهادئة، فقررت أن اقتنيه خاصة و كان سعره في متناولي !!!
المهم … لم أكن أعلم أن حياتي منذ ذلك اليوم ستنقلب رأسا على عقب، وأن كتابا بذلك الأسلوب البسيط الناعم المحفز المتفاءل سيرسي أول حجر أساس لعشقي للقراءة…. منذ قراءتي لمكتوب لباولو كويلو، وأنا أشيّد عالمي بالقفز بين الكتب باللغتين الفرنسية والعربية …فوجدت نفسي ساعية بريد برتبة جسوسة أحمل رسائل غسان الكنفاني لغادة السمان وبقيت أنتظر أن يهديني مالك حداد غزالة، وتوغلت في أدغال أفريقيا مع ياكي … وحين عبرت سبيلي، اعطتني أحلام مُسْتَغَانْمِي منديلاً حتى أبكي حالة الطفل الذي تبوّل على نفسه بعد أن شهد تفاصيل إبادة أهله وجلّ جيرانه ببن طلحة…
لكن يقال “ما الحب إلا للحبيب الأول” و الحب العذري لا ينسى….. بقيت أهيم بباولو و بمكتوب…إلا أن قرأت ( لا أدري أين):
” كان الحنين إلى أشياء غامضة ينأى و يدنو، فلا النسيان يقصيني، ولا التذكر يدنيني … من امرأة إن مسّها قمر … صاحت: أنا القمر”
“و لوصف زهر اللوز ، لا موسوعة الأزهار تسعفني و لا القاموس يسعفني…سيخطفني الكلام الى احابيل البلاغة … والبلاغة تجرح المعنى وتمدح جرحه…”
بحثت في المكتبات عن كتب هذا الشاعر المدعو محمود درويش … فلم أجد! (نعم يحدث للمرء أن لا يجد كتاب لمؤلف بهذه القامة في بلد عربي … كما يمكن أن يربي الأمل والشغف يعصره ريثما يجد كتابه في معرض الكتاب الدولي) قررت أن ابحث على شعره على اليوتوب في انتظار أن أجد كتبه لالمسها و أشم رائحته من خلالها …. ” لم تات” “هو هي” “لا شيء يعجبني” “حاصر حصارك لا مفر” ” انتظرها”
ربما كانت الضربة القاضية هي نص فلسفة الحنين” أتذكر أنني دخلت في هيستيريا إذ لم اصدق ان للإنسان كل هذه القدرة الخرافية على تحديد ماهية شعور مبهم معقد كالحنين بكل هذه الدقة و السلاسة الممتنعتين! و لما رثى باكيا أبو عمار، أتذكر يومها أن بكائي كان يساير تقطعه و شهقته كانت تجعل دموعي ترتجف مائة مرة قبل أن تنهمر…!
و أمام ضعفي القاهر في حضرة ” القهوة هي هذا الصمت الصباحي الباكر المتأني والوحيد الذي تقف فيه وحدك مع ماء تختاره بكسل و عزلة في سلام مبتكر مع النفس والأشياء وتسكبه على مهل في إناء نحاسي صغير و داكن و سري اللمعان ” … قررت (منذ مدة قصيرة) أن أدمنها و أمارس طقوسه خلال تحضيرها و أرتشافها.

المهم أحببت أن أحكي عن قصتي لأقول أن أول تأشيرة لدخول عالم عشق القراءة قد يمنحها لك كاتب نكرة…أو روائي يتفق بعض المخضرمين أن سطوره موجهة للمراهقين أو أنها لا ترتقي إلى المستوى المطلوب (الذي يبقى تحديده نسبيا …!) كما شاع (مؤخرا) عن كتب كويلو الذي لولاه لما أحببت القراءة ولا كنت اقتربت منها ولا همت بدرويش ….
و كما تقول د. إنعام بيوض ” لكل كتاب جمهوره و شريحة معينة تقرأه” والوقت الذي قد نضيعه في نعت كاتب ما بالفاشل، أو في التشكيك بمصداقية كلماته و فكره … قد يكون دافعا لأن نعبر عن أنفسنا بقلمنا لنكون نحن التغيير الذي نريده ! و لنوفر على القراء نوع من الكتابات نظنه ساذج …

و يرجع الحكم (و ليس النقد) على الكتاب للقارئ وحده … و إن أجمعت الأغلبية على أنه رديء… فهناك من تحسنت نظرته إلى الحياة بعد إدمانه لكتب التنمية البشرية (التي تعتبرها الأغلبية: تجارية) ..وهناك من يجد أن رواية البؤساء العالمية كئيبة إلى حد لا يطاق. وهناك من تعدت أزمة خيانة زوجها / حبيبها بفضل نسيان com (الكتاب الذي أثار الكثير من الجدل) بل سمعت أنه يستعمل كنوع من العلاج في بعض المراكز الخاصة بالنساء المسعفات.

كما أخالف الرأي الذي يفيد أنه من المستحسن أو الواجب استشارة القراء المحترفين حتى يساعدوا المبتدئين على اختيار كتبهم …
كلا ! أظن أنه على القارئ استعمال حدسه و إحساسه و هو يقرأ ملخص الكتاب على الغلاف الخارجي … أو يسترق النظر إلى بعض السطور و هو يتصفح المؤلف بسرعة! فهو الوحيد القادر على حصر احتياجاته من الكتاب ( التي عادة ما يجد صعوبة في تفسيرها) فالقارئ المحترف و المولوع بالروايات البوليسية لن ينجح في نصح قارئ رومانسي مبتدئ… و عاشق الروايات الكلاسيكية المترجمة لن يقنع قارئ يميل في بداياته إلى الكتب التاريخية …. و المحب لدواوين الشعر سيفشل في جذب من يجد في النثر ضالته … فالحكم على الكتاب يبقى نسبيا ويتعلق بميولات كل واحد فينا و طبيعة علاقته .. وأن الكتاب هو من يبقى محل انتقاد و ليس الكاتب !
أسأل الله أن يبتليكم بعشق القراءة.

 

تأليف : مستور آية الهام من الجزائر

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...