«مطبخ الحب» رواية مغربية أبدعت وتجاوزت الممنوع.

    كثيرًا ما يلام الشباب بالمغرب على قلة اهتمامهم بالقراءة وبالأدب المغربيّ، لكن أرى أنّه حينما تكون الإصدارات الأدبيّة تلامس واقع الشباب وتخاطبهم ستجد صداها لديهم، وستنتشر في أوساطهم، وفي مواقع التواصل الاجتماعي لدرجة أنّهم لن يصبحوا مجرّد قُرّاءٍ لها وحسب، بل مُساهمين في شهرتها ونجاحها أيضًا. هذه هي حال رواية “مطبخ الحب” للكاتب «عبد العزيز الراشدي»، الحاصل على عدّة جوائز أدبية، من أبرزها جائزة الشارقة للإبداع. صدرت روايته عام2012، وأثارت الكثير من الاهتمام محليًّا وعربيًّا، وقد اختير عنوانها بعناية، فهي بالفعل مطبخ لا يحصر نفسه في الحب فقط، بل يحتضن -في الوقت ذاته – ما هو اجتماعيّ وسياسيّ ورومانسيّ. وبالرغم من أنّها لا تتجاوز مِئتَيْ صفحة، إلّا أنَّ تنوُّع المواضيع المتناوَلة يحاكي التنوُّع الذي نراه في الروايات الطويلة، ممّا يجعل قراءتها تجمع بين الفائدة والتسلية، كما أنّها تستحثُّ القارئ وتدفعُه ليعيد النظر في الكثير من الأشياء التي تعوّد عليها وباتَت اعتياديّة وجزءًا من حياته اليوميّة.

    الشخصيّة الرئيسيّة بالرواية هي “عبد الحق”، شاب مغربي عائدٌ من أوروبا بعد تجربة هجرة فاشلة، ويعاني من وحش البطالة كغيره من حاملي الشهادات العليا. وذات يوم بعد عودته منهكًا من إحدى المظاهرات الاحتجاجيّة المتكرّرة يلتقي “بسهام”، وهي فتاة طموحة تعيش ظروفاً مشابهة، فيعيش معها علاقة حب غامضة، تضفي نسماتٍ جديدة على حياته، ومعًا يعيشان البطالة والحب، ويعانيان من فساد المجتمع.

    من خلال قصتهما نتعرف على الحب لدى الشباب المغربيّ بشكل مختلف تمامًا كاختلاف العنوان المثير للانتباه، والذي لم يكن – مثلًا – سرير الحب أو فندق الحب، بل كان “مطبخ الحب”، ليعلن الكاتب منذ البداية أنه لا يختار كلماته بشكلٍ عبثيٍّ، وأنه ليس من أولئك الكُتّاب الذين يجتذبون قُرّائهم بعناوين تسويقيّة.

    الرواية واقعية جدّاً، وقد نجحت في تجسيد المجتمع المغربيّ بجرأة، كما انتقدت عدّة مظاهر سلبية، وتجاوزت الممنوع برشاقة. تحدّثت عن المخدرات، ودعارة الرجال، والفقر، والشعوذة، والهجرة السريّة، والفساد السياسيّ، والتحولات التي وقعت في المغرب؛ وهذا ما يجعل البعد السياسيّ حاضرًا بالرغم من عدم إشارة المؤلّف لتنظيماتٍ سياسية محددة، فالرواية قضيتها أكثر أهمية من شخصيات بعينها. ويبقى أجمل ما بالرواية لغتها الفصيحة، والتي تؤكد قدرة الكاتب المغربي على استخدام صور لغويّة جميلة تسمو بأدبه، وتجعل القراءة تجربةً شعوريّة ممتعة. أما عن عنصر التشويق الذي يبحث عنه الجميع سيظل موجودًا، لأن الأحداث داخل الرواية ستستمر في التطوّر، وستزداد إثارةً، لنرى ما سيحدث لسهام التي ستكتشف أوراق عبد الحق السرية، لتنقلب أوضاعهم العاطفية، كما ستغدو حياته المهنيّة مهدَّدة بسبب المقالات المثيرة للجدل التي يحرّرها. وكل هذا وأكثر يجعلها روايةً مشوّقة ومعبّرة.
    لهذا منذ أن قرأتها لأوّل مرّة تمنيتُ أن أترجمها للإيطالية، وكم كانت سعادتي كبيرة حينما حصلتُ على موافقة الكاتب. لذا، قبل أن نلوم الشباب على عدم القراءة يجب أن نوفر لهم الأدب الذي يلفت اهتمامهم، ويتكلم عن همومهم، ويجسد واقعهم دون زيف أو نفاق، سواء أكان قصةً، أم شعرًا، أم مسرحًا، أم رواية. ولا يكفي تأليفه، بل يجب التعريف به إعلاميًّا، والاحتفاء به، والترويج له بمختلف الطرق، وحينها يمكننا أن نتنبّأ بنهضة أدبيّة في المغرب.

    أخيرًا، مطبخ الحب هي من أفضل الروايات المغربية التي قرأتها، أرشحها لكم وأتمنى لكم قراءة ممتعة.  

 

تحرير زكرياء ياسين

 نشر في العدد 1490 لجريدة الأخبار.

21/9/2017

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف