«مذكرات طفلة» اسمها نوال السعداوي وعمرها 86.

     لا تتوقف نوال السعداوي في كل ندوة أو مقابلة صحفية من تكرار حقيقة أنها تعيش بروح طفلة بالرغم من تجاوزها الثمانين وأنها لا تعترف أبدًا بالشيخوخة. مما يجعل الطفولة بالنسبة لها، ليست مجرد مرحلة عمرية بل حالة شعورية تترافق معنا طوال حياتنا. تدافع نوال عن الأطفال وتعتبر أنهم يعاقبون على ذكائهم الفكري الذي يفضح تناقض الكبار، لهذا يتعرضون للإساءة وللظلم في البيت وللإرهاب العقلي في المدرسة التي تعمل بأسس الطاعة والتدجين والتلقين وليس التفكير والنقد والجدل.

     “مذكرات طفلة” هو الكتاب الذي أنصح به لمن يود الدخول إلى عالم نوال السعداوي. إنه أول كتاب في حياتها، إذْ كتبته عام  1944بصفته واجب الإنشاء بالمدرسة. طلب مُعلم اللغة العربية من التلاميذ كتابة قصة من الخيال، واستمرت نوال في كتابتها لأسبوع. لكن بعدما قرأ ما كتبته منحها صفرًا ظنًا منه أن الصفر لا قيمة له. ذكرت نوال هذه الذكرى في مقدمة الكتاب بعد مرور خمسة وأربعين عامًا. انتقدت من خلالها تصرفات المعلمين التي تدمر مواهب الأطفال وذكرت أن هذا الصفر جعلها تتوقف عن الكتابة لوقت طويل وربما كان هو السبب الذي جعلها تدخل كلية الطب بدلًا من الآداب. لكنها لا تعرف الاستسلام لأن نفس هذه الطفلة هي التي أصبحت طبيبة ومعالجة نفسية وكاتبة مرموقة تتجاوز أعمالها الستين، رُشِّحَت لجائزة نوبل وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من30  لغة في العالم.

     من خلال هذه المذكرات طرحت عدة مواضيع مهمة تعرفت عليها بفكرها البريء وأخلاقها التي ترفض الازدواجية التي صارت مبدئًا فكريًا عند الكبار. بداية بقضية العنصرية والتفرقة بين الجنسين منذ أولى سنوات حياة الأطفال، يفرحون بالمولود الذكر أكثر من الأنثى، وحينما كبرت قليلًا لم تستطع أن تقوم بأشياء كثيرة مثل التي يقوم بها أخيها لمجرد أنه ذكر. لكن العنصرية لا تمارس على الأطفال فقط بل تكبر معنا وتتطور لتصير مبدأ اجتماعي، فالفلاحيين لا يحظون بنفس معاملة الموظفين وسكان المدينة يتم تمييزهم عن سكان القرية. بالإضافة للعنصرية بين أبناء الديانات المختلفة وكيف يربون الأطفال منذ سنواتهم الأولى تربية تغيب عنها قيم الإنسانية والتسامح والاحترام المتبادل.

     بلغة بسيطة وأسلوب حميمي وصادق تحكي لنا الطفلة سعاد مذكراتها وتعبر عن دهشتها بالعديد من الوقائع التي نتعايش معها يوميًا دون التفكير في غايتها أو سبب وجودها. تسرد لنا يومياتها برفقة أسرتها التي بدأت بتلقينها أسس التربية وأخلاقيات المجتمع. بالرغم من ذلك تواجه الطفلة المنظومة الاجتماعية والأخلاقية بطريقتها الخاصة. هذا ما يجعل الكتاب مليء بالخواطر وبالحوارات المباشرة التي نتعرف فيها على حقيقة أن أسئلة الصغار تحرج الكبار وتربكهم لأنهم لا يجدون إجابات شافية ومقنعة. تسأل الطفلة أسئلة محرمة عن بؤس الفقراء، العبادات، صفات الرب والقضاء. لهذا يستعملون القمع والتضليل من أجل فرض كل فكرة أو معتقد. هكذا يصير التفكير تهمة والتمرد جريمة لتعلن الكاتبة في الأخير أنها زعيمة التمرد.

     صحيح أن نوال أهدت هذا الكتاب إلى كل طفلة أو طفل تراودهما فكرة الكتابة، إلا أنني أهديه وأرشحه أيضًا لكل أب وأم ولجميع المعلمين. لأنه سيمكنهم من التعرف على عالم الأطفال والتواصل مع مشاعرهم وخواطرهم. كما سيُحيي فيهم روح الطفولة ليغيروا وجهة نظرهم ليس عن الأطفال فحسب بل عن طرق التربية الخاطئة والكثير من المفاهيم الاجتماعية والأفكار.  

     في عيد ميلاد نوال السعداوي السادس والثمانون، أتمنى لها عيد ميلاد سعيد وأتمنى لكم أصدقائي قراءة ممتعة.

زكرياء ياسين.

26/10/2017

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...