كأن شيئاً لم يكن

بدا اليوم مختلفا عن سابقه وكأنما يحمل بين طياته هدية ما، لذا في هذا اليوم تحديداً وقَفَت تنظر إلى الشارع من خلف بلورها المضب، مسحت بيدها ما تستطيع الرؤية عبره، كانت السماء ملأى بالغيوم وقليلٌ من أشعة الشّمس تخترقها … وكأن تلك الخيوط الذهبية تخترق قلبها عِوضاً عن ذلك، بصعوبة ارتفعت شفتيها بابتسامة… في قلبها هناك ما ينبئها بقدومه…

هناك ما سيشفي انتظارها ، طاقة خفية تنبعت من ثنايا قلبها الأجوف… حيث مكانه هو لا يزال محفوظاً. سارعت بفتح أدراجها وإزالة الغبار عن فساتينها، وأمام المرآة لاحظت مدى شحوبها واسوداد ما تحت عينيها، واختفاء بريق مقلتيها، وتشقق شفتيها.. وبهتان لون شعرها .. وبينما صمتٌ مطبقٌ تتخلله أصوات أبواق السيارات أدركت بأنها كانت ميتة من أعماقها، لكن اليوم شعورٌ غريب أيقظ في قلبها الحياة.. بدأت باستخدام مساحيق التجميل، لتعطي بشرتها لوناً ( أقربُ إلى الحياة )، وهي في نشوةٍ غامرة تذكر وجهه وابتسامته وتفاصيله التي ما محتها السنين بعد، ولا تزال حية أكثر منها .. كلما تعمقت في تذكره ازدادت سعادة لا متناهية وهناك ذلك الحدس الأنثوي القوي بأنها ستراه …كيف؟ هي نفسها لا تدري… فهو قد رحل دون أي إنذارٍ منه بالرحيل، بعد أن أقنعها بأبدية حبه لها وأزلية قربه منها… همّت بإعادة رونق عينيها، وكأن أرواحاً ما خفية تساعدها على النهوض من حزنها.. إنه الشّعور الذي لا يُعرف مسببه، طاقة ما منشأها هو.. صورته وصوته يلوحان من بعد بشيءٍ واحد: ” سيعود.. “

ما تردده هي بين ابتسامةٍ وأخرى.. مضت ساعة تأنقت خلالها ليس كأي وقتٍ مضى، انتقت الأجمل والأزهى من كلّ شيء، من الداخل إلى الخارج، أخذت حقيبتها وحملت مظلتها بيدها معلقة و خرجت من المنزل، تتتبع حدسها المجهول الوجهة… لا مكان تقصده، لكنها الرغبة الجارفة في المشي عبر الطرقات، ربما حول الحديقة وربما إلى السوق، لن تشتري شيئاً إنما هنالك ما يدفعها للمشي عبر طرقات معينة … وليس سواها..

أي حدسٍ هذا الذي أيقظها من موتها الوشيك بانتظاره.. في هذا اليوم تحديداً التفت إليها الكثيرون، ولاحظت هي مدى تعلق نظراتهم بها، ربما لم تكتشف قبلاً كم كانت جميلة، فهو كان بخيلاً في كلماته، كما كان بخيلاً في لحظاته إليها ومعها… توقفت أمام زجاج أحد الدكاكين وكأنها ترى نفسها للمرة الأولى، عدلت من معطفها قليلاً ثم مضت بتلك الخطوات الواسعة التي تُذكر بخطوات طفلة مرحة انتقت لعبتها المفضلة تواً .. دخلت الحديقة العامة، وقلبها يخفق ليس كأي وقت، هناك بهجة ما، هي تبتسم دون حتى معرفة السبب، هناك ما ستقابله ويغير حياتها… هكذا شعرت هي.

” لربما هو أو..” تسارعت ضربات قلبها عندما التقطت عيناها القادم أمامها… تلاشت ابتسامتها، وتسمرّت عيناها به ..

إنه هو ..

لكن… برفقته أنثى…

ليست هي! …

لحظة اختناق .. توقف الزمن خلالها وكأنها ترى الموت صوب عينيها المفتوحتين عن آخرهما بفاجعة تتحرك نحوها..

لكن، أحياناً في لحظات ..يدرك العقل البشري ما عجز عنه في سنين.. وهذه كانت إحدى تلك اللحظات.. .. إنهما يقتربان … أتمضي بخيبتها وألمها… أو ربما ترتمي تحت قدميه تتوسله العودة! … اضطرب نبضها بإيقاعٍ مختلف، كإيقاع طبول الحرب، حربٌ باردة كهذا الشتاء.. تنفست بعمق بعد أن أدركت بأن انتظارها ما عاد نافعاً.. ما عاد ذو فائدة.. بأن الأمل قد مات، وأن لا حياة تُستحق أن تموت من أجله، بل حياة تحياها لأجلها هي.. رددت في نفسها : ” سأغمض عينيّ وأنسى وكأن شيئاً لم يكن… سأتجاهل ألمي وأمضي دون أملٍ دون ألم…

كأن شيئاً لم يكن. “

لملمت بقايا نفسها المبعثرة وبكل كبرياء مشت بإغواء كمن لا ترى أحداً، حتى انتبه هو إليها ولم تكن تنظر رغم رغبتها الجائعة إلى ملاحظة تفاصيله التي حفظتها ظهراً عن قلب، تجرّها رغبة عارمة في ملاحظة أي اختلافٍ بعد كلّ هذا البُعد،فهي كانت تقرأه من النظر إليه يوماً.. وعبر المرور بجانبه طفا كبرياؤها على سطح أنوثتها لترسم ابتسامةً برفعة زاوية واحدة! .. إنها ابتسامة سخرية أو ربما شماته!.. ملامحه تغيرت بلمح البصر لربما كان ينتظر هذه اللحظة أيضاً من أجل إشباع ساديته برؤيتها تتوسله أو رؤية وجعها ينزف أمامه بلا حولٍ منها ولا قوى، فقد اعتادها مسالمة مرهفة القلب تؤتي من صفعها وجهها الثاني. لم تنظر؛ بل واصلت مشيها باستقامة بعينين لا تحيدان عن نقطةٍ بالمدى هو ليس فيها.. مشت وبعد أن تخطته فاجأها ذلك الشعور بالسعادة العارمة التي انهالت عليها من حيث لا تدري، و ما كانت لتتوقعها أبداً منذ عرفت ضيف ذاكرتها اليوم.. بينما ارتبك هو ونظر خلفاً بعينين تتوسلان عودة كبرياء رجولته الممزقة تحت قدميها… في تلك اللحظة شعر بألمه، ربما ألم سنين من غيابه و وفائها تخترق قلبه اليوم مرّة واحدة، كعيارٍ ناري…

بقلم: ليلى عجاوي

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...