عشرُ دقائق

 

ذهبت لتزوره بعدما مر على آخر زياراتها أسبوع، لم يهمها رفض أمها لعلاقتهما معا. لم تعر انتباهاً أيضاَ لتهديدات أبيها، كما لم تجعل من أقوال الغير عائقاَ، كل ما يهمها في هذه اللحظة أن تكون إلى جانبه، جانبه هو فقط. أخدت نفساً عميقاً وهي على استعداد لتفتح الباب، باغتتها شابة جميلة ترتدي الأبيض تخرج من نفس الغرفة، قطعت الصّمتَ ببعض الدّردشة معها، دفعت الباب فوجدته جالسا يتوسط السرير. نحيلاً هزيلاً، مُتغيِّر اللّون ذابل النّضارة يحمل بين يديه كتاباً بالكاد يقرأه، علمت بأنه لم ينتبه لوجودها معه داخل نفس الغرفة، حاولت شَدَّ انتباهه بإلقاءها التحية. سرعان ما استوعبت أن التحية لن تكفي. جلست بجانبه فلمحها بطرف عينه ليواجه وجهها بملامح أقل ما يمكن القول عنها أنها شاحبة، تبسمت وهي تقول له: ماذا يقرأ حبيبي ؟
إكتفى فقط بملاحقتها بنظره..أخدت الكتاب من بين أنامله. كالعادة، إنها ذات الرواية، الصفحة نفسها، قصيدة قصيرة تحت عنوان “كل شيئ بالنهاية سيزول”. طوت الكتاب وتركته على طرف السرير. قبلته قبلة عميقة و أحاطت وجهه بيديها تم حاصرته بعينين كلها أمل. فقالت له: انتظر قليـــلا فقط..أجل لم يبقى سوى القليل..،تذكرت أول لقاء جمعهما قبل سنة ونصف وكيف كان شخصا قويا صاحب شخصية شديدة متزنة، وجدت فيه كل ما كانت عنه تبحث. غمغم باسمها فقال لها: أمل، أمل.
“..أها..أهذه حححقا أنت حبيبتي أمليِ!! الكلمات..لماذا الكلمات تخرج من فمي مرائِرُ ؟
إنها أنت فعلا أليس كذلك..؟ أريد..أن..أعانقكِ،أريد أن أحملكِ..لكن..أنا أسف..ركبتاي لا تقوى على حملي..كيف لي أن أحملك؟ أريد أن أجالسكِ..إلا أن عيناي أتقلهما النعاس..فجأة..! أريد أن أضحككِ..ولا أعرف كيف ذلك..ماذا يجري؟ ماذا أصابني؟”

في ضمة مسعورة إحتوته فيها ما بين دراعيها إلى صدرها و أجابته: ” لا عليك عزيزي إنه أمر عادي، هون عليك فهذا من تأثير الـدواء، هي أيام قلائل و ستقوى على إضحاكي من جديد، ستعود أيامنا كما كانت بسابق عهدها..أجل إني أعدك بذلك.”
أسند برأسه على فخدها و هو يتمتم: ” أنا..هل..أنت لا..، أنا أرجوك.. ساعديني على الخروج من هنا.. ثقي بي ودعيني أخرج.. أخرجيني رجاءاً، أحس بالضعف ولا أقوى على هذا الشعور.. سأفعل كل ما تريدونه مني.! فقط ساعديني..!

مسحت على رأسه فهمست بأذنه.. قلت لك لا عليك!، فقط نم بهدوء حبيبي، أيا غالي. كل شيئ بالنهاية سيزول”.
مدت ببصرها خارج النافدة. وكأنها تبحث عن شيء أضاعته بغياهب غدر الزمان.، عادت من رحلة بحثها الخيالية تلك لتتذكر دردشتها القصيرة مع تلك الشابة الجميلة. “يبدو أن فترة علاجه ستطول أكثر مما توقعنا. أرجوك عشر دقائق فقط انستي. لقد أعطته الممرضة مخدراً حتى يقوى على النوم.، ولا تزعجيه. فالمسكين عانى ليلة البارحة من هلوساتٍ أفزعت باقي النزلاء بجناح الأمراض النفسية “..عشرُ دقائِق!


بقلم..A.s سكينة أعلام.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...