سواد عينيك قاتل أيتها الحمقاء

كانت نسمة من نسمات الربيع أو لنقل أنها الربيع، ربيع لا ينتهي لكنها عنيدة للغاية كالصخر الذي عجزت المعاول عنه لقد كانت بهجة للعقل و الروح معها يتلاشی كل شيء ويبقی شيء واحد هو الفكر. كانت تكره كل شيء إلی درجة الحب ولم تكن تری الأشياء قبيحة أو جميلة فكل شيء لديها سواء، فالجمال لديها لا ما تدركه الحواس بل الجمال هو المعنی الذي تحتويه هذه الأشياء. كانت متمردة علی كل شيء وتنظر إلی العالم من زاوية أخری، كانت لا تشعر بالانتماء لشيء محدد فهي تكره الانتماءات. وتنظر إلی نفسها بوصفها جريمة قد أرتكبها والديها، كانت تكرر دائما بأنها لن ترتكب جريمة إنجاب إنسان علی كوكبنا التعيس هذا. ببساطة كانت تنتظر الموت، تشعر به قادما إليها مخلصا لمآساة اسمها علا. لقد كانت مأساة جميلة، لها عينين ناعستين تعبر عن فتاة حادة الطبع صعبة المراس، بريئة كطفلة تصدق كل حكايات وقصص ما قبل النوم. كان لها نبتة صبار تعتني بها وتطلق عليها اسم ران كانت تلتقط لها الصور لتتبع آثار نموها الذي لا ينتهي.

تعرفت إليها ولي رغبة في صداقتها، صداقة أبدية فهي لا تمل كنبع ماء عذب في الصحراء، تجاذبنا أطراف الحديث فتلمست منها جرحا غائر لا أعرف موقعه يثير فيها الحزن والتعاسة، وقررت كعادتي أن أعالج تعاستها بالأدب. كانت تقرأ و لكنها برأيي تقرأ ما يزيد تعاستها أو لنقل يعزز نظرتها التعيسة للحياة، اقترحت عليها في البدء أن تقرأ مجموعة من قصص “تشيخوف” كنت قد انتقيتها لها، قصص مرحة ساخرة. وبعدها اقترحت عليها “ذئب السهوب” لهرمان هيسه كي أكسب ودها، ثم انتقلنا إلی قصة “موت معلن” ل غابرييل غارسيا ماركيز لم تحب هذه الرواية فعالجت الموقف بمسرحية “المفتش العام” ل نيقولاي غوغول، استمر الحال هكذا إلی أن أرسلت لها “رواية العنبر رقم 6” لـ أنطوان تشيخوف حينها قالت لي بأن دموعها قد انهمرت بعد الانتهاء من قراءة هذا العمل.

عندما تجد أنسان تنهمر دموعه لقراءة رواية ما فأعلم أنه كائن لا يتكرر، كانت علا هكذا كائن لا يتكرر. كانت تتشوق لقراءة رواية “كائن لا تحتمل خفته” لـ ميلان كونديرا، كنت حينها أقرا هذه الرواية بنسختها الالكترونية وأكذب عليها بأن لدي نسخة ورقية وكنت أثير حنقها بالحديث عن هذه الرواية إلی درجة أنها قالت لي بأنها ستقتلني وستكفنني بأوراقها. سبق الموت كتابي وأخذ منا علا في حادث يعتصر له القلب ألم و حسرة، ذهبت وتركت لنا هذا العالم بما فيه، ذهبت وذهب معها كل شيء جميل. لقد أصبح العالم أقل روعة و جمال بغيابها. قلت لها مرة: “سواد عينيك قاتل أيتها الحمقاء” ضحكت و قالت لي بأنني أعمی وأن لون عينيها بني فاتح وليس أسود، ثم قالت لي بأنني ربما أكون لعنة لا أكثر.

 

بقلم أحمد نزار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف