مُراجعة رواية “اذهب حيث يقودك قلبك”

   هذه أول رواية إيطالية أقرأها وأعتبرها من كتبي المفضلة. عنوانها الطويل معبر ولوحده يمرر رسالة واضحة تم شرحها بالتفصيل وبالتجربة في أحداث الرواية. أغلفتها الإيطالية جميلة ومختلفة. أما الترجمة العربية فكانت متقنة وذلك بفضل المترجمة أماني فوزي حبشي والمراجع أيمن عبد الحميد الشيوي.

 

لهذه الحقيقة تكتب الجدة للحفيدة كي تساعدها وتموت وهي مرتاحة.
لهذه الحقيقة تكتب الجدة للحفيدة كي تساعدها وتموت وهي مرتاحة.

 

   هناك كتب قصيرة يمكن إنهائها بسرعة في يوم واحد ولأسباب كثيرة تقرأها ببطء شديد كي تفكر فيها وهذه الرواية من هذا النوع فهي تضم 187 صفحة فقط لكن مع ذلك قرأتها مرتين بشكل بطيئ وبدأت قراءتها بالإيطالية كي أرى مستوى الترجمة. هذه الرواية تقرأ ببطء لأن كل سطر واحد يمكن أن يحفزك لكي تفكر في مجموعة سطور. إنها رواية تدعو للتفكير والتأمل الشديد بغض النظر عن متعة السرد الروائي. إنها رواية نفسية عائلية غنية بالأفكار الإنسانية والمشاعر العميقة.

   الرواية مكتوبة بضمير المتكلم “أنا” وبطريقة اليوميات ويتداخل فيها الماضي والحاضر بفضل تقنية الإسترجاع (الفلاش باك) كما يتداخل فيها الحوار مع الوصف والسرد وأيضاً اقتباسات خارجية تعبر عن ثقافة الجدة الواسعة وتفتحها على ثقافات مختلفة.

   اليوميات المكتوبة من طرف الشخصية الرئيسية هي موجهة للحفيدة التي هاجرت لأمريكا كي تعود وتقرأها فالجدة لا تريد ازعاجها بمرضها وتريد لها أن تحقق طموحها الحياتي ولهذا قررت أن تكتب لها يوميات تكون بمثابة نقطة عودة وإلهام للحفيدة الصغيرة التي يجب أن تقرر مصيرها بيدها وتخرج من الدائرة المغلقة للعائلة كي لا تعاني كما عانت أمها وجدتها.

   شخصية الجدة أولغا مثقفة جداً وحنونة. تعتبر الحرب مذبحة، تكره مذابح الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية وتتعاطف مع أبرياء مذبحة البلقان الكبيرة…تصف ألمها بسبب حروب الإنسان بالشوكة المغروسة في القلب. يبدو أنها نباتية فهي تعيش وسط الطبيعة برفقة كلبها المخلص بوك وحديقتها التي تعتني بها حتى في سن متقدمة، صحتها كانت جيدة ولم تكن تمرض نهائياً تجاوزت الثمانين الآن. لديها فضول للعلوم الطبيعية ولعالم الحيوانات وتشاهد الأفلام الوثائقية. علمت حفيدتها كيف تنقذ الطيور المجروحة وكيف تسعفها.. وحفيدتها الصغيرة كانت تبكي على سمكتها الحمراء التي ماتت وكانت تدفنها وتدعو الله أن يقبل روحها الصغيرة كما يقبل الأرواح الكبيرة. كما أن الجدة تعتبر أن لمس شجرة هو مثل لمس أي كائن حي آخر. إنها شخصية إنسانية صديقة للبيئة ولا-عنفية.
   أعجبتني كثيراً هذه الشخصية وهذا الجمال والبساطة والسلام ؟! ارتبطت كثيراً بأولغا خصوصاً أنني كنت أشعر أن يومياتها ورسائلها موجهة لي أنا شخصياً.

 ” لطالما يعمل الجسد لا يتصور المرء كيف يمكن أن يصبح عدواً لدوداً له يوماً ما، ولكن إذا استسلم الإنسان لمعارضته ولو للحظة واحدة، يفقد المعركة تماماً.” ص19. 

   من بين أبرز المواضيع التي طرحتها الرواية: صراع الأجيال وكيف يمكن خلق تواصل إيجابي بغض النظر عن الفجوة والاختلافات بين الأجيال. طبيعة العلاقات العائلية وهل نحن يجب أن نحب آبائنا بشكل فطري أم لا؟. حياة التظاهر والمجاملات والنفاق وكيف يدمر هذا فردانية وسعادة الشخص. الطموح الشخصي في تحقيق العادة واتباث الذات. عادات وتقاليد المجتمع وتأثيرها السلبي على حياة الفرد.

أثناء القراءة كنت ألاحظ وجود نقط مشتركة كثيرة بين مجتمعاتنا المعاصرة والمجتمع الإيطالي في الأربعينيات وكان من المهم أن أعرف أن إيطاليا في أربعينيات القرن الماضي كانت محافظة على عادات المجتمع وتقاليده حتى لو كانت تقاليد سلبية وتعمل ضد تطور المجتمع… 

بما أن الرواية تدعو للتأمل والتفكير فتوجد تساؤلات مهمة تطرحها من أبرزها:

1- هل يوجد وسيلة تحررنا من القدر الذي تفرضه علينا البيئة الأصلية، من كل ما خلفه لنا أسلافنا عن طريق الدم؟ هل يمكن أن ينجو أحدهم وينجح ويصل بكل قواه ؟ لكي يقول أن هو الشخص الذي خرجت من الدائرة؟

2 – هل صحيح أن البقاء للأصلح وأن هذا هو القانون الذي يحكم العالم؟

3 – هل القرار بعدم إنجاب أطفال بسبب مشاكل أسرية أو الفراغ العاطفي في العائلة قد يكون مبرر منطقي؟ أم توجد تخوفات أخرى؟ وما رأيكم في من يرفض الإنجاب بدعوى أن العالم لا يستحق أن نمنحه أبناءنا؟

4 – كيف نغذي عطش الطفل الفطري للمعرفة وكيف نجيب عن أسئلته الروحية المتعلقة بالله والكون وجميع المواضيع الكونية الأخرى؟ وكيف نفسر الموت للأطفال؟

5- كيف يُخلص الإنسان لذاته في بيئة تفرض عليه معتقدات جاهزة؟

6- هل تتبعون قلبكم أم عقلكم؟ وما الفرق بين المفهومين؟
هل صحيح أن العقل عقلاني وقوي والقلب عاطفي وضعيف أم هي مجرد أفكار مغلوطة ؟ وماذا تتبعون أنتم ؟

"العين هي عقل خارجي مرئي". زكرياء ياسين
“العين هي عقل خارجي مرئي”. زكرياء ياسين

 

   الرائع أن سوزانا تامارو نشرت جزءاً ثانياً للرواية بعنوان “Ascolta la mia voce ” بالعربية تعني “إسمعي صوتي” سنة 2006 وتم ترجمته إلى لغات عديدة من بينها التركية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والبرتغالية واليونانية ولغات أخرى. في الجزء الثاني الشخصية الرئيسية ليست الجدة أولغا بل الحفيدة مارتا مما يعني أنها سوف تقدم وجهة نظر مختلفة، وهذا إغناء للرواية. ما أثارني في الموضوع هو أمرين:

1- نشر الجزء الثاني بعد 20 سنة من نشر الجزء الأول، مما يعني أن سوزانا تفعل ما يناسبها فقط.

2- شهرة الجزء الثاني بسرعة وترجمته للغات مختلفة مما يعني أن قيمة الجزء الأول وشهرته كانت حقيقية وليست زائفة.

أتمنى من كل قلبي أن أترجم الجزء الثاني” إسمعي صوتي” إلى العربية وأتمنى أن تحول هي أيضاً لفيلم سينمائي كما حدث للجزء الأول ” إذهب حيث يقودك قلبك”

 

لشراء النسخة الفرنسية للرواية على أمازون أنقر هنا.

الغلاف الإيطالي للرواية الثانية.
الغلاف الإيطالي للرواية الثانية.

 

أعرف أنه يوجد جدل بين العقل والقلب وأنا من وجهة نظري لا أفصل بينهما كما لا أفصل بين الأمور عموماً وبالتالي سأتبع قلبي وسأطبق نصيحة الجدة الحكيمة والعقلانية أولغا.

الكاتبة سوزانا تامارو رائعة جداً وتعرف كيف تصنع الكلمات وكيف تحول المشاعر الرقيقة إلى كلمات. إنها صانعة متميزة للكلمات.

Susanna Tamaro
Susanna Tamaro

 

من أكثر الإقتباسات المؤثرة التي وجدتها في خاتمة الرواية هي: 

“الثورة الأولى التي يجب أن نقوم بها هي تلك الثورة بداخل أنفسنا فهي الأولى والأكثر أهمية “

” إن الصراع من أجل فكرة ما من دون أن تكون لدينا معرفة كافية عن أنفسنا من أكثر الأشياء خطورة ” 

 

إنها رواية رائعة أرشحها للجميع وبالخصوص للآباء والأمهات فهي رواية تربوية للكبار والصغار وأرشحها لكل من عانوا في طفولاتهم بسبب عائلاتهم أو بسبب اختلاف شخصيتهم. الرواية ستساعدهم كثيراً. وأرشحها للقراء المبتدئين فعمق الرواية لا يجعلها رواية معقدة بالعكس فهي رواية بسيطة وسهلة للجميع. أتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة. 

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف