رسالة طويلة جدًا.. نسوية جدًا من السنغال.

    نسمع باستمرار أن الأدب صلة وصل حضارية بين الشعوب، بالطبع أتفق مع هذه الحقيقة. لكنني في الوقت ذاته أتأسف على الآداب والثقافات التي لم نحظى بفرصة التعرف عليها بسبب مركزية الأدب الأوروبي والأمريكي التي تلغي أي حوار حقيقي بين الحضارات. وعلى الرغم من كثرة الأقلام الإفريقية التي اختارت لغة المُحتل الأجنبي، سواء كانت الفرنسية أو الإنجليزية للتعبير وللإبداع إلّا أنها لم تنل بعد مكانتها المُستحقة في الساحة الثقافية العالمية. لهذا ارتأيت في هذا الأسبوع أن أرشح لكم رواية جميلة من السنغال، استطاعت بفضل واقعتيها ومواضيعها المهمة وشفافية لغتها أن تحصل على جائزة نوما اليابانية للنشر عام 1980، وأن تصِل إلى لغات كثيرة من بينها الإنجليزية والصينية والإسبانية والسويدية وبفضل الدكتورة «فاطمة الجامعي الحبابي» تُرجمت إلى اللغة العربية؛ عن دار نشر الفنك عام 2002.

    إنها رواية اجتماعية بقلم الكاتبة والناشطة النسوية «ماريما با» بعنوان “رسالة طويلة جدًا” صدرت باللغة الفرنسية عام1979 ، وهي شبه سيرة ذاتية في قالب تراسلي. إذْ تضُم ثمانية وعشرون رسالة تكتبها أرملة حزينة تعيش في حبسها المنزلي بسبب فترة العدة، لهذا قررت أن تهرب من عزلتها بالكتابة لصديقتها الحميمة التي هاجرت إلى أمريكا. لكل واحدة منهما قصة مع الزواج. الأولى أرملة، توفي زوجها بعد فترة من زواجه من فتاة في عمر إحدى بناته؛ أما الثانية مطلقة اختارت الهجرة مع أطفالها نحو أمريكا بعدما قرر زوجها الزواج تلبية لرغبات أمه المتسلطة. تصف لنا الكاتبة واقع المرأة الإفريقية بشكل عام والمرأة السنغالية بشكل خاص، على المستوى العائلي والاجتماعي. تطرح مواضيع حساسة ثقافيًا مثل مشاكل تعدد الزوجات، سلطة التقاليد الاجتماعية والعادات العائلية وكيف تصبح أكثر نفوذًا من الدين. مكانة المرأة في المجال السياسي بالإضافة لضرورة التربية الجنسية والمساواة بين الجنسين. على الرغم من التزام الرواية بقضية المرأة لم تختر الكاتبة أسلوب النقد بل البوح، وبواسطة سرد التجربة الشخصية تفضح لنا حقيقة المجتمع الغارق في النفاق وازدواجية المعايير الأخلاقية بين المرأة والرجل. تكشف لنا مظاهر التخلف والجمود الفكري الذي ما يزال يعتبر المرأة كائنًا أدنى، لا يصلح لشيء إلَّا لخدمة الرجل وللولادة وبعد مرور سنوات من الطاعة والخضوع يتجرأ أن يستبدلها بزوجة أخرى. بالموازاة مع الوصف الاجتماعي تسرد المؤلفة ذكرياتها وأسرارها كما تعبر عن خواطرها ومشاعرها، مما جعل الرواية تجمع بين المكون الاجتماعي والنفسي.

    لا تكتفي الكاتبة بوصف واقعها الأليم وفضح عيوب مجتمعها بل تطرح الكثير من البدائل الإيجابية. تتفاءل بالجيل الجديد وأهمية التعليم في توعية المرأة وتمكينها من العمل للحصول على قوتها الاقتصادية وضمان كرامتها الإنسانية. تارةً تتحدث عن عظمة الكتب وكيف تستطيع إنقاذ البشر وتحقيق التقدم للمجتمع. وتارة تتكلم عن نبل الصداقة التي تزداد متانة عند الشدائد. كما تروي عن نضالها من أجل تربية وتعليم أبنائها.

    أحببت هذه الرواية التراسلية المؤثرة بسبب واقعيتها وصدقها. أعجبتني المقاطع الغريبة التي تصف فيها أجواء الجنازة وكذلك خواطرها عن الموت والصداقة والأمومة. الأسلوب اللغوي بسيط وبعيد عن التصنع، ساعدني لأتخيل الأماكن وأرى الفقر والجهل الذي يعيش فيه الناس كما أكتشف بشاعة الفروقات الطبقية والتقاليد الموروثة. لقد تعرفت على بلد السنغال بشكل لم أكن أتوقعه، هذا البلد الذي لا يتقاسم مع المغرب فقط الجغرافيا والدين بل أيضًا الذكورية والكثير من المظاهر الاجتماعية المتخلفة. حتمًا هذه الرواية المفيدة هي بدايتي مع الأدب الإفريقي.

 

بقلم زكرياء ياسين.

نشر بزاوية أصدقاء الكتب، جريدة الأخبار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...