«ذاكرة الجسد» رواية ثورية بلغة رومانسية.

    رواية هذا الأسبوع تتكلم عن الحب والسياسة، وتفعل ذلك انطلاقًا من أحداث تاريخية مع التحرر من الحَبْكات التقليدية في الكتابة؛ باستخدام لغة مُغرقة في الوجدانية. إنها «ذاكرة الجسد» للكاتبة الجزائرية “أحلام مستغانمي” التي استطاعت أن تحقق بها نجاحها الكبير. صدرت عام 1993 وبعد سنوات حازت على عدة جوائز أدبية ثم تُرجمت إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية والفارسية. تصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعًا بمعارض الكتب العربية وبعد أعوام عديدة تم اقتباسها في مسلسل تلفزي. لقد أثارت هذه الرواية الجدل والكثير من النقاشات بشكل لم تستطع أي رواية عربية معاصرة القيام به.

    تتأسس هذه الرواية على تيمة الذاكرة لأن الشخصية الرئيسية “خالد بن طوبال” تسترجع ذاكرتها على الورق، وهو رسام جزائري مغترب؛ فقد ذراعه في حرب التحرير الجزائرية. بعد مرور ربع قرن يغرم بكاتبة شابة في باريس وهي “حياة”، ابنة رفيقه وقائده الذي استشهد أثناء الحرب؛ ثم يدخل على الخط “زياد الخليل”، وهو شاعر ومناضل فلسطيني. من خلال هذه القصص تحكي الكاتبة تجارب إنسانية وتوثقها للتاريخ لتكريم أشخاص يؤثرون بمصائرهم في الذاكرة الوطنية على الرغم من التهميش السياسي الذي يتعرضون له وهم الكتاب والشعراء والفنانين.

    العنوان جذاب ومعبر بشكل عميق عن مضمون الرواية. إذْ عبر تقنية الاسترجاع يحكي “خالد بن طوبال” ذكرياته التي تتجسد في جسده الذي يذكره بأهوال الحرب. لكن هذا الجسد ما هو سوى رمز سياسي للتعبير عن ذاكرة وطن بأكمله. وطن معطوب، ما يزال لم يتجاوز بعد تاريخه وآلامه لأن مشكلته لا تنتهي بطرد الاحتلال الأجنبي ولكنها تستمر مع التطرف الديني للحركات الإرهابية والتخلف الفكري للمجتمع والفساد السياسي للحكومات؛ وهذا ما عملت الكاتبة على انتقاده بأشكال مختلفة في مجمل ثلاثيتها الروائية.

    يمكن تصنيف “ذاكرة الجسد” ضمن نوع الرواية التاريخية الرومانسية لأنها توثق لحوالي نصف قرن من تاريخ الجزائر في قالب رومانسي، اختارته الكاتبة عن قصد لأسباب ثقافية. لهذا من يقرأ الرواية بعمق ويتجاوز شاعرية اللغة ورومانسية السرد، يلمس بوضوح بعدها الفكري ونقدها السياسي، بشكل يظهر كيف أن الرقابة يُمكنها أن تتحول لأضحوكة لا قيمة لها بفضل سلطة الكلمات وقوتها التعبيرية. لكن من تذهله الصور الشعرية والاستعارات يقول عن الرواية أنها مجرد صناعة لغوية. حسب وجهة نظري، هذه الرواية تعتبر عملًا أدبيًا يؤكد قدرة اللغة العجيبة على التعبير عن أخطر الحقائق المسكوت عنها بصدق، بالإضافة لانتقاد أفكار اجتماعية تعتبر من المسلمات في مجتمع أدمن النمطية والخمول العقلي وصار يعبد الأعراف والعادات دون فكر نقدي أو مراجعة.

    إنها رواية عن الثورة والحب والذاكرة. استمتعت بقراءتها، لكن ما لم يعجبني فيها هو غياب الهوامش التفسيرية للكلمات الفرنسية أو الجزائرية العامية. بالإضافة للطرح الذكوري لجسد المرأة، كما أن بنيتها السردية كانت تميل نحو الاعتباطية، ويبدو أن هذه اختيارات فنية للكاتبة للتعبير عن نفسية السارد. أتمنى لو تصدر نسخة معاصرة بهوامش تفسيرية وأن تمنح للجانب التوثيقي التاريخي مساحة أكبر وأن تكون أكثر تحررًا على المستوى العاطفي وأكثر جرأة على المستوى السياسي.

    المدهش في «ذاكرة الجسد» أن أحداثها تستمر في التطور مع تكملتها «فوضى الحواس» و «عابر سرير» حيث ننتقل إلى أمكنة جديدة ونتقدم مع الزمن كي نتعرف على الشخصيات التي تعودنا عليها في أجواء سياسية واجتماعية مختلفة. من خلالها نكتشف الكثير عن مأساة مجتمعنا وذاكرة أوطاننا.

زكرياء ياسين،

نشر لأول مرة في جريدة الأخبار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...