«بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة».. لـ داي سيجي.

    الروايات بجميع أنواعها تربط العالم وتجعل الشعوب تتواصل بأرقى الطرق الحضارية، كما أنها وسيلة لتوثيق التاريخ وأداة للمقاومة. جميع هذه الأفكار تتجلى بقوة في هذه الرواية التي تندرج ضمن صِنف السيرة والرواية التاريخية إذ تدور أحدثها في فترة تاريخية وهي الثورة الثقافية البروليتارية، بالإضافة إلى أنها مُستوحاة من تجربة الكاتب الشخصية. في تلك الفترة القاسية من تاريخ الصين، أطلق الرئيس ماو تشي تونغ عام  1966ثورة ثقافية، طبق فيها مجموعة من القرارات السياسية والاقتصادية. كان من بينها إرسال ملايين المراهقين من أبناء المثقفين والبرجوازيين إلى القرى النائية، من أجل إعادة تأهيلهم تحت إشراف الفلاحين الفقراء بشكل منعزل عن العالم الخارجي. وهذا نفس ما حدث للصديقين المراهقين (سارد الرواية) وصديقه المقرب (لو) لأن أباءهما المثقفين برجوازيين وأعداء الشعب، وبالتالي يجب إعادة تربية أبنائهما ليصيروا مُواطنين صالحيين.

    بمجرد أن تبدأ بقراءتها تكتشف أن موضوعها الأساسي هو الإشعاع الثقافي للأدب ودور الكتب التي لا تصير مجرد وسيلة متعة أو معرفة ولكن سلاح حقيقي للمقاومة الثقافية. هذا ما يحدث لشخصيات هذه الرواية التي فرض عليها الفكر الشيوعي وإعادة التأهيل في قرية لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة الإنسانية الكريمة. كانوا يقومون بأعمال شاقة في المزرعة والمنجم ويحملون السلع الثقيلة في منطقة يعتبر فيها الجسم البشري وسيلة النقل الوحيدة. في ذلك المنفى القاسي والمفروض بدأ المراهقان يجدان طرقًا ذكية للتعامل مع الوضع. وهكذا استخدم سارد الرواية قدرته في عزف الكمان ليدهش بها المأمور وسكان القرية الأميين، أما (لو) فقام باستخدام موهبته في رواية الأفلام ليجعل مأمور القرية يطلب سماع المزيد من القصص الممتعة لدرجة أن يقرر إرسالهما مرة كل شهر للسينما في المدينة من أجل أن يعيدوا سرد الأفلام على مسامع الجميع. هكذا نكتشف لماذا تقوم الأنظمة الديكتاتورية بحرق الكتب وممارسة الرقابة على الثقافة لأن لها قوة وسلطة عظيمة على تحرير العقليات. لكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذْ يقوم الصديقين بسرقة حقيبة تم تهريبها من طرف صديق آخر وهو بدوره خاضع لإعادة التأهيل لأنه ابن لكاتب وشاعرة. تضم حقيبته المهربة كتبًا ممنوعة من الدولة من بينها روايات الكاتب الفرنسي ” أونوريه دي بالزاك” وهكذا يقومان بقراءتها بشكل سري برفقة الخياطة الصينية الصغيرة التي سوف تتغير بشكل جذري بعدما كانت مجرد فتاة ريفية محدودة الأفق.

    تظهر الرواية أهمية التربية وقوة الأدب على التغيير السياسي وتطوير فكر الإنسان. إنها تبرز بوضوح قيمة الصداقة كما تفضح مُمارسات الأنظمة السياسية. من المُفترض أن تكون محزنة وقاسية لأنها توثق مأساة جيل كامل من الصينيين مع القمع والاستبداد لكن لغة الرواية السينمائية جعلتها مُمتعة كما أنها مُشبعة بالتحدي والأمل والذكاء.

    إنها رواية “بالزاك والخياطة الصينية الصغيرة” للمخرج السينمائي والكاتب الصيني “داي سيجي” الذي نشرها بالفرنسية عام  2000 ثم حولها لفيلمًا سينمائيًا بعد عامين. حازت الرواية على عدة جوائز أدبية في فرنسا وكندا ودول أخرى. حصلت على شهرة عالمية إذْ ترجمت لحوالي 25 لغة، من بينها اللغة الصينية والإنجليزية كما ترجمت إلى العربية ثلاث مرات.

    إنها رواية تجعلك شخصًا آخر بعد إنهائها، إذا استطعت الوصول إلى عمقها الفكري والتوصل برسائلها ورموزها. حينما أنهيتها شعرت أنني أفارق أصدقائي وتمنتُ لو سرقوا حقيبة ثانية من الكتب كي أكتشف المزيد من القصص والأحداث ولأعرف الجمال الذي لا يقدر بثمن.

    دامت لكم صداقة القراءة.

بقلم زكرياء ياسين. صدر بجريدة الأخبار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...