«العطر: قصة قاتل» رواية ألمانية لا تقرأ فقط بل تُستنشق.

    توجد كتب تُحقق نجاحًا مذهلًا بالاعتماد على جودتها الفنية وأهميتها الفكرية فقط، بعيدًا عن أجواء الفضائح أو تفاهات السوق وما يطلبه الجمهور؛ وهذا ما حدث لرواية “العطر: قصة قاتل”. لكن على الرغم من شُهرتها ونجاحها العالمي، يبقى مصدر نجاحها سرًا يصعُب كشفه. بعض الناس يقولون إن جمالية الأسلوب وأهمية الموضوع هما السبب وآخرون يعتبرون أن السبب يكمنُ في غرابة الأفكار وعُمقها، والأغلبية تعتبر أن التفرد الأدبي الموجود في الرواية هو المسؤول. جميعها تعتبر أسبابًا منطقية، لكن أظن أننا لم نعرف سوى جزءًا من الحقيقة. هذه الرواية حالة نادرة من نوعها، مثل عطر ثمين، برشّة واحدة لا تبقى رائحته فقط على جسمك لوقت طويل، لكن تعلق في ذهنك وتظل تتذكرها طوال حياتك.

    إنها رواية “العطر” التي صدرت عام 1985 باللغة الألمانية بقلم «باتريك زوسكيند»، هذا الكاتب والسيناريست الذي يرفض التواصل مع الإعلام على الرغم من النجاح العالمي الذي حققته روايته الأولى. إذْ اقتبست في السينما، باعت أكثر من عشرين مليون نسخة كما ترجمت لأكثر من أربعون لغة. أما مبتكر هذه التحفة الأدبية فهو في عزلته الجميلة بعيدًا عن ضوضاء الجوائز الأدبية وأسئلة المقابلات الصحفية.

    تدور الأحداث في بعض مدن فرنسا القرن الثامن عشر، حيث نتعرف على أكثر الكائنات شناعة وغرابة وهو قاتل الفتيات “جان بابتيست غرينوي” الذي له حاسة شم إعجازية؛ تجعله يستطيع التمييز بين آلاف الروائح وتذكرها لأن له ذاكرة شمية متطورة جدًا. إنه شخص يتيم، مجهول الأب، منبوذ من الجميع، حتى من طرف أمه التي حاولت قتله مباشرة بعد ولادته. إنه دون عائلة وأصدقاء، يواجه قساوة الحياة وعنف المجتمع. يعيش في مجتمع فرنسي متوحش ومتَخلف ثقافيًا واقتصاديًا، مشكلته هي اضطهاد الآخرين له بسبب اختلافه عنهم لكن ملاذه الوحيد هو ثقته بنفسه وبموهبته. هذه الموهبة التي تغير حياته إلى الأبد وتجعل صانع عطور عجوز يستفيد منه ليستعيد أمجاده ويصنع ثروة من مجهوداته. لكن جان بابتيست له طموحًا أرقى وهو اختراع عطر مثالي؛ وفي سبيل ذلك يتحول إلى إنسان مجرد من مفهومي الخير والشر. لقد أصبح قاتلًا متسلسلًا بعد أن كان طفلًا هاربًا من الموت.

    يستحيل تصنيف هذه التحفة الأدبية في نوع أدبي واحد. إنها تظهر بوضوح عبقرية صاحبها الذي مزج بين أدب الجريمة والتاريخ والإثارة والتشويق والفلسفة. الرواية تركز على حاسة الشم، هذه الحاسة المتجاهلة في حياتنا، على الرغم من أن حياتنا لا تستمر سوى بالاستنشاق. الأكثر إدهاشًا هو أن هذه الرواية تقدم تنبؤ علمي منذ عام1985  لم يؤكده العلم إلا بعد ثلاثون عامًا، في إحدى مختبرات الكيمياء الفرنسية والتي تؤكد أن العلم يَسمح بصناعة عطور من الجسم البشري.

    حينما قرأتها لم أتوقع أن أعيد اكتشاف حاسة الشم من خلال الكلمات وأن أتعرف على باريس القذرة وفرنسا التي كانت غارقة في الجهل والمرض والفقر والعنف والظلم. لقد اعتقلت خيالي، في المقابل يرمز لها كإشارة سياسية إلى أدولف هتلر وصعود الدرامي إلى السلطة بألمانيا.

    قراءة هذه الرواية هي في الوقت ذاته: اكتشاف لعالم العطور وعلاقته بالمعاني العاطفية، تصوير تاريخي لفرنسا في مرحلة ما قبل الثورة وسرد لمغامرات هذا القاتل الغريب وجرائمه البشعة. إنها رواية عن الشغف، الإبداع، الطموح، المثابرة وإثبات الذات مما يجعلها مصدر إلهام حقيقي لي.

    العطر هي رواية تفوح بالروائح، لهذا يجب ألا تقرأ فقط بل أن تستنشق.

زكرياء ياسين.

جريدة الأخبار ،19/10/2017

 

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...