«الراحل ماتيا باسكال» رواية إيطالية عن فلسفة الحياة وسر الموت.

    أجمل ما يعجبني في الروايات ليست حقيقة أنها أكثر الكتب مبيعًا وشهرةً، ولا فكرة أنها تجمع بين التسلية والإفادة. لكن لأن الروايات أفضل ما يحفظ تاريخ الشعوب والحضارات، وأول ما يتنبأ بأحدث النظريات العلمية قبل أن تدخل لمختبرات العلماء، لتصبح بعد ذلك حقيقة نستفيد منها دون أن نعرف فكرتها الأصلية.

    لهذا في هذه المقالة، سأحدثكم عن رواية صدرت عام 1904 وما تزال تعتبر من روائع الأدب الإيطالي؛ وهي «الراحل ماتيا باسكال» للكاتب المسرحي “لويجي بيرانديلو”، الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1934، بسبب تجديده الجريء للدراما وللفنون المسرحية. تعتبر هذه الرواية من أشهر أعماله، وبفضلها حصل على أول اعتراف أدبي في حياته. لقد ترجمت للغات كثيرة وتم اقتباسها في المسرح والتلفزيون والموسيقى والفن التشكيلي بشكل يؤكد أهميتها وتأثيرها الثقافي، وحول هذا الموضوع اخترت أن يكون بحث تخرجي من مسلك الإجازة في الأدب الإيطالي.

    الرواية تحكي قصة “ماتيا باسكال”، الرجل الذي مات مرتين وعاش بغرابة، ليجد نفسه خارج الحياة وليس فقط على هامش المجتمع؛ وبالتالي يحق له أن يقول ما يريد. حينما نبدأ القراءة نعرف منذ الصفحة الأولى أنه ليس راحل؛ بل هو نفسه من يروي قصة حياته في مكتبة لا تزورها سوى الفئران، متأملًا أن تكون عبرة للبشرية. عاش ماتيا طفولة يَصعبُ وصفها وحينما دخل لقفص الزواج عاش حياة سيئة مع زوجة لا يحبها وحماة شمطاء تثير الشجارات. لهذا قرر ذات يوم، بعد مشكلة عائلية متكررة الهروب من المنزل، متجهًا نحو مدينة مونت كارلو وفي أحد الكازينوهات يربح ثروة ضخمة بشكل نفكر فيه حول علاقة الحظ بالقضاء والقدر. أثناء عودته غنيًا وسعيدًا بالقطار لمنزله يشتري جريدة ليقرأ أنباء اليوم وفي صفحة الوفيات يجد مقالة تصدمه وتجعله يغير اتجاه القطار.

    يبدأ ماتيا باسكال حياة جديدة، يختار لنفسه اسمًا ويبتكر هوية مختلفة مستغلا هذه الفرصة التي منحتها له الحياة. ثم ينتقل من مدينة لأخرى ومعه نتعلم ونكتشف مغامراته ورحلاته الفكرية. المثير للارتياب أن لشخصية ماتيا الكثير من النماذج المختلفة في عالمنا، ويبدو أن من بينها هم المهاجرين السريين الذين ابتكروا لأنفسهم هوية كاذبة لمجرد الحصول على لجوء في بلد أوروبي. هناك أفلام ومسلسلات كثيرة طرحت فكرة التظاهر بالموت أو التسلق الاجتماعي مثل حرباء تغير لون جلدها. لكن تبقى هذه الرواية الأفضل والأروع لأنها اختزلت واقع البشر بصدق وجمالية.

    الرواية من النوع الفلسفي ويصعب تصنيفها في مذهب أدبي واحد لأنها بين الطبعانية والواقعية. تناقش علاقة الفرد بالمجتمع وعلاقة الحياة بالشكل فليس كل ما يظهر لنا يعبر عن الحقيقة. ويبقى أجمل ما في الرواية هو بساطة الأسلوب وروح الفكاهة التي تضيف لمسة ساخرة بالرغم من جدية المواضيع وفلسفتها العميقة. إنها رواية عن الهوية، العائلة، النفاق، حقيقة الزواج، الاندماج في المجتمع، القيود الاجتماعية، الجنون والتطلع نحو الحرية. حينما قرأتها تمنيت لو تمنحني الحياة فرصة للبدء من جديد، لكن بعدما أعدت قراءتها بدأت أفكر في تغيير فلسفتي للحياة ومحاولة اكتشاف سر الموت بين ثناياها.

    أخيراً، «الراحل ماتيا باسكال» ليست مجرد رواية مغامرات للتسلية أو للتعجب من مفارقات الحياة لكنها رواية تأملية ونفسية تخاطبك بعمق، وتحفزك على عيْش الحياة بشكل أصدق وأكثر شجاعةً. أتمنى لكم قراءة ممتعة أصدقائي ونلتقي الأسبوع القادم مع كتاب آخر.

تحرير زكرياء ياسين، 28/9/2017

نشر في جريدة الأخبار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف