«الخيميائي» رواية روحانية من البرازيل تدخل موسوعة غينيس.

   حينما ترغب حقًا في شيء فإن الكون بأكمله يتضافر ليسمح بتحقيق رغبتك، هذه الحكمة الرئيسية لكتاب هذا الأسبوع. «الخيميائي» للكاتب باولو كويلو؛ هذا البرازيلي الذي واجه الكثير من الصعاب والذي دخل مُرغمًا لمستشفى الأمراض العقلية مُتهمًا بغرابة الأطوار، أصبح الآن كاتبًا مشهورًا وسفيرًا للتنوع الثقافي في منظمة الأمم المتحدة. إن قصة نجاحه غريبة ومُلهِمة، لكن الأغرب والأكثر إلهامًا هي روايته التي ما تزال حتى الآن في قائمة الكتب الأكثر مبيعًا. صدرت عام 1988 باللغة البرتغالية لتصبح من روائع الأدب العالمي لاستلهامها من التراث الإنساني. ولهذا السبب نجحت في مخاطبة ملايين القراء مهما اختلفت أديانهم وجنسياتهم، بأكثر من سبعين لغة لتدخل بنجاح إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتبارها أكثر كتاب مترجم لمؤلف على قيد الحياة.

   تدور جميع أحداث الرواية حول قصة راعي غنم أندلسي اسمه سانتياغو. هذا الشاب الذي قرر أن يحقق حلمه المتكرر، بحيث رآه مرتين أثناء نومه وهو أن يجد كنزًا مدفونًا في أهرامات مصر. بعد أحداث مثيرة أفضّل ألاَّ أفسدها بذكرها، يبدأ سانتياغو بالسعي لتحقيق حلمه. لهذا يبيع غنمه ويبدأ رحلة شيقة تغير مصير حياته، تبدأ بإسبانيا وتتطور بالمغرب ثم تنضج في طريقه إلى مصر ثم تبدأ من جديد في نهاية الكتاب.

   لا يمكن وضع الرواية في تصنيف أدبي واحد، إذ أنّها رواية رمزية لا تتحدد بالشكل الظاهري للقصة، بل بالمعاني التي تخفيها الرموز. في الوقت ذاته يُشار إليها كرواية رحلات، لوجود التجوال فيها من بلد إلى آخر. هناك من يعتبرها رواية عن نضج الشخصية وآخرون يصنفونها رواية للتنمية الذاتية، بالتالي يمكن تقديمها بأكثر من طريقة. الأكثر إدهاشًا هو أنها قد تعتبر رواية فلسفية للكبار كما يمكن تقديمها للأطفال لتكون رواية مغامرات. الخيميائي هي رواية لها أوجه عديدة، لكنها تعبر عن شيء واحد.

    يظهر اسم سانتياغو فقط مرتين في البداية والنهاية ويتحول إلى رمز بشكل يجعلك ترى نفسك في صفحات الكتاب لتتماهى مع القصة، وكأنك تعيش أسطورته الشخصية. هكذا يتجاوز الخيال حدود الحقيقة وتتجاوز الروح حدود الجسد. الخيميائي هي رواية عن الإيمان، الإلهام، الثقة بالنفس، الحظ، تجاوز العقبات وبأنه توجد قوة روحانية عظمى تسير هذا الكون وبطرق خفية يمكنها أن تحاورك وترشدك نحو الطريق الصحيح.

   يقول كويلو عن كتابه أنه يضم حكايات نقلها إليه أصدقاء كما يضم قصصًا تنتمي للتراث الروحي والإنساني، وتجمع بين رغبة الإنسان في الاستقرار والأمان وبين رغبته في الترحال والمغامرة واكتشاف العالم. كما تجمع بين ما هو شرقي وغربي، وما هو مادي وروحي وتحاول أن تربط بين الأشياء. هذا ما عبر عنه المؤلف في مقولة “إن الأشياء جميعها ليست إلا تجليات لمظهر واحد” كما أنها تؤكد كيف أن الشيء الوحيد الذي يجعل تحقيق حلمك مستحيلًا هو خوفك من الفشل.

   بفضل هذه الرواية ندرك كيف أن النادرين فقط من يعرفون كيفية قراءة العلامات والإشارات الكونية التي ترشدنا عندما نتوه، لكن يصعب على الكثيرين الثقة بها لأن الأمر يحتاج للتأمل وللإنصات للحدس. هذه الروحانية تمنح جرعة إيجابية من التفاؤل والأمل اللذين يعتبران قوة عظيمة، عندما تمتلكها لا أحد يمكنه إيقافك.

   أخيرًا، رواية الخيميائي يمكنني ترشيحها لجميع أنواع القراء لأنني أعلم كم هي رائعة ومفيدة، وأن كل شخص يقرأها حسب مستواه الفكري ومنظوره للعالم. أعدكم بساعات من المُتعة بصحبة هذا الكتاب وأتمنى لكم قراءة مليئة بالتنوير الفكري والإلهام. 

بقلم زكرياء ياسين.

5/10/2017، جريدة الأخبار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...