«البحار الذي لفظه البحر» رواية سياسية بقناع رومانسي.

    مخطئ من يعتقد أن اليابان هي مُجرد قوة تكنولوجية تذهل العالم بأحدث الاختراعات، لكنها -في نظري- بلد الأدب والفنون أيضًا. لهذا حان الوقت لنتخلص من ثنائية الأدب الأوروبي والأمريكي ونبدأ بالانفتاح على الآداب الأسيوية، خصوصًا الأدب الياباني. لكن إذا اخترنا طريق الأحكام المسبقة لمجرد اختلاف الثقافات سنكون الخاسرين الوحيدين. أما اليابان فلقد وجدت طريقها لجوائز النوبل ونحو الاعتراف العالمي رغم البعد الجغرافي وصعوبة اللغة.

    لهذا ارتأيتُ أن أحدّثكم هذا الأسبوع عن رواية يابانية بعنوان «البحار الذي لفظه البحر» وهي رواية فلسفية صدرت عام1963 . أصدرها يوكيو ميشيما قبل سبعة أعوام من انتحاره الذي صدم العالم، إذْ كان انتحارًا احتجاجيًا على طريقة رجال الساموراي القديمة في استعراض فظيع أمام الملأ.

    تستعرض الرواية علاقة حب حساسة لكنها تدمر، بسبب طفل قاسي بشكل لا يوصف. إنه “نوبورو” الصبي ذي الثلاثة عشر عامًا الذي يعيش مع أمه الأرملة “فوزاكو” حياةً هادئة في مدينة يوكوهاما. إنه طفل فخور وذكي، يتيم الأب ومتمرد. ذات مساء يُفاجئ بغراميات أمه مع رجل بحار من خلال ثقب صغير كان يستعمله لإرضاء حبه للاستطلاع.

    في البداية يرى البحار “ريوجي” رجلًا عظيمًا يعمل ضابطًا في الأسطول التجاري ويستحق التمجيد، ثم يكتشف أنه مجرد شخص طيب القلب؛ يريد الزواج بأمه والاستقرار وترك حياة البحر وبالتالي التخلي عن جميع تطلعاته. بناء على هذا، يقرر التدخل برفقة عصابته التي تتكون من أصدقاء؛ لهم نظرتهم الخاصة ونظرتهم عن المجد كما ينكرون أي معنى للعالم. حيث يكرهون حياة الكبار ويرفضونها تمامًا، ويتذمرون من مطالب آبائهم. فهم يرَون عالم الكبار فارغًا، مليئًا بالنفاق وبالمشاعر غير الضرورية. ارتكبوا فعلتهم قبل أن يتحول البحّار إلى مجرد أب لطيف، يعيش على الأرض مثل جميع البشر العاديين، مفتقدًا كل مثالية وحسًا للمغامرة وللشجاعة.

    قصة الرواية بسيطة ولكنها في نفس الوقت معقدة بسبب رمزيتها السياسية. لأنها ترمز لدولة اليابان بعد هزيمتها العسكرية في الحرب العالمية الثانية. تمثل عصابة الأطفال التقاليد والقيم اليابانية الأصلية. بينما تمثل شخصية الأم ظاهرة التغريب التي يحتقرها ميشيما بحيث تجعل المجتمعات نسخًا مقلدة عن أوروبا، مشوهة وبدون هوية أو ثقافة منفردة؛ أما البحار فهو يمثل القيم الذكورية التقليدية، وبين هذه الأطراف الثلاثة يحدث صراع فلسفي لا يلمسه سوى المفكرون. في النهاية يُلفظ البحار من البحر والبر معًا وحول هذا نجد أنفسنا نتساءل حول مغزى هذا المصير وعلاقته بواقعنا.

    أجواء الرواية والاستعارات التي يبتكرها ميشيما من أجل وصف ما يوجد حولنا تجعل جمالها لا يضاهى، في القسم الأول المعنون بالصيف تكون الأسطر بديعة وناعمة وفي القسم الثاني الشتوي تصبح الرواية سوداوية ومرعبة. كان السرد ممتعًا بشكل غرائبي، وأتت الأوصاف الجنسية بصورة رومانسية وبعيدة عن الابتذال. أسلوب يوكيو ميشيما الغامض يجعلك تتجاوز الأحداث البطيئة والشخصيات القليلة لتحاول الوصول إلى الأفكار التي يود التعبير عنها.

    اقتبست هذه الرواية في السينما البريطانية وصارت أيضًا مسرحية أوبر ألمانية، وترجمت إلى عدة لغات؛ لتصبح من أشهر أعمال يوكيو ميشيما الروائية بالموازاة مع رباعيته الشهيرة “بحر الخصوبة”. إنها رواية فلسفية عن المجد، الشرف، الحب، المراهقة، التعذيب، الأدوار الاجتماعية للجنسين، فقدان الهوية، الاغتراب والعزلة وانهيار العالم.

    هذه الرواية تعتبر من النوع الذي قد لا تكفيك القراءة الأولى لإدراك الروعة التي تزخر بها، لكن بالقراءة المتفحّصة لاحقًا قد تغدو من الكتب المفضّلة لديك. قراءة ممتعة ودمتم أصدقاء للكتب.ت تعتبر من النوع الذي قد لا تعجبك في القراءة الأولى ولكن مع القراءة المتفحصة قد تتحول إلى أكثر كتبك تفضيلًا.

♠ زكرياء ياسين.

 12/10/2017، جريدة الأخبار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...