الإدمان اللذيذ: إدمان الكتب.

يصنّف الأطباء و أهل الإختصاص الإدمان بأنّه حالة مرضية خطيرة، فهو يدخل الشخص المصاب به في حالة غير طبيعية نتيجة إستعمال مواد مخدرة بصفة مستمرة؛ بحيث يصبح هذا الأخير معتمدًا عليها نفسيًّا وجسديًّا، بل ويحتاج إلى زيادة الجرعة من وقت لآخر ليحصل على الأثر نفسه دائمًا، وهكذا يتناول المدمن جرعات تتضاعف في زمن وجيز حتى تصل إلى درجة تسبب أشد الضرر بالجسم والعقل فيفقد الشخص القدرة على القيام بأعماله وواجباته اليومية في غياب هذه المادة، وفي حالة التوقف عن استعمالها تظهر عليه أعراض نفسية وجسدية خطيرة تسمى “أعراض الانسحاب” وقد تؤدي إلى الموت أو الإدمان.

تتعدّد أنواع الإدمان من إدمان على السجائر، الكحول والمخدرات، وغيرها من الموّاد الأخرى، غير أنّ هناك نوع آخر من الإدمان قد يصاب به الشخص دون أن ينتبه إلى أنّه قد أصبح تحت تأثير عامل خارجي، وأنّه قد أحكم سيطرته عليه دون أن يستطيع مقاومته أو الإفلات من قبضته، إنّه الإدمان على القراءة، نعم إنّه إدمان من نوع آخر، ولكنّه إدمان لا يتسبّب في نفس الكوارث والأضرار التي تسببّها الموّاد الأخرى، بل على العكس إنّه إدمان يجعل الإنسان في حالة جيّدة، وبدل أن يجرّه إلى الهاوية أو ينزل به إلى الحضيض، يرفعه إلى العلياء، و يعلي من مستواه الفكري و الثقافي، يجعل منه فردا خلوقا، مؤدبا، متواضعا، مواطنا صالحا في المجتمع، ويمدّه بالشعور بالمسؤولية، وبالرغبة في التغيير المتواصل لنفسه ولمن حوله. إنّه نوع من الإدمان يوصلك إلى نشوة لا مثيل لها، نشوة لا يشعر بها إلاّ أولئك المدمنين من أمثالك، الذين جرّبوا القراءة، فتفاعلوا معها، وشعروا بتأثيرها المحفّز عليهم، وكأنها نوع من الكافيين غير المضّر بالصحة، فهي إن لم تفدك – وهو أمر مشكوك فيه- لن تضرّك في شيء، لا جسدا و لا عقلا، بل بالعكس إنّه تمدّك بالهدوء و السكينة والإسترخاء، تسافر بك إلى أقاصي العالم، و أنت جالس في مكانك لم تغادره إلى أي مكان، أفيعقل أن نطلق على هذا النوع من الإدمان الإدمان الحميد، لا أعلم ( الأمر متروك لكم) أطلقوا عليه الإسم الذين تشاؤون، و لكن إعلموا فقط انّه أجمل و أشهى و ألذّ انواع الإدمان على الإطلاق، على الأقّل بالنسبة لي.

إدمان الكتب يجعل الإنسان في حالة جيّدة، وبدل أن يجرّه إلى الهاوية أو ينزل به إلى الحضيض، يرفعه إلى العلياء، و يعلي من مستواه الفكري و الثقافي.

آسف، نسيت أخبركم في البداية أنّني مريض، نعم أنا مصاب بالإدمان، الإدمان على القراءة، فهل حالتي خطيرة؟ هل تستدعي خضوعي لنوع من العلاج؟ لا أعرف فعلا متى أصبت به؟ و لا كيف؟ و لا أعلم مستوى إدماني؟ هل حالتي مستعصية أم انّه إدمان بسيط، يمكنني أن أشفى منه ببعض العلاج. في الحقيقة من قال لكم، أنّني أريد ان أخضع للعلاج؟ أو أن أثماتل للشفاء؟ لا، أنا لا أريد علاجا، أنا مستمتع بحالتي المرضية هذه، منتش بجميع أعراضها و تأثيراتها الإيجابية على صحتي العقلية، لا أريد أبدا أن أبرء منها، لأنّ في تخلّصي من هذا الإدمان موتي و فنائي… فهل أنتم مصابون مثلي بحالة الإدمان؟ فإن كنتم مرضى مثلي، فإنّ أصول اللباقة والتهذيب تفرض علّي أن أدعو لكم بالشفاء العاجل، و بأن يرزقكم اللّه الصحّة والعافية، و لكن إعذروني هذه المرّة سأخرج عن حدود اللياقة والأدب، وسأتمنّى لكم أن لا تشفوا من مرضكم هذا.

أريد أن أقول لكم دمتم أوفياء لإدمانكم، أمّا أولئك الذين لم يصابوا بعد بهذه الحالة فأقول لهم، أدعو لكم من صميم القلب أن تصابوا بهكذا إدمان، ففيه متعتكم ونشوتكم وراحة عقولكم وصحّة أفكاركم…

بقلم المدمن رياض مالك.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف