«الأوراق المتساقطة» رواية تركية عن مأساة العائلة المعاصرة.

    تعودنا أن نسمع المقارنات المستمرة عن المجتمع بين الأمس واليوم وعن العائلة التقليدية والعصرية، وتخوفات الآباء والأمهات من التفكك العائلي وتذمر الجدات من سلوك الجيل الحالي ومما قد يحدث في المستقبل إذا استمر الوضع على ما هو عليه. لكن هذه المقارنات غالبًا ما تكون سطحية وظالمة للجيل الجديد. أعترف أن مُجتمعنا المعاصر عنيف ويغرق في الذكورية والنزعة الاستهلاكية كما يعرف انهيارًا في القيم وتدهورًا لمنظومة الأخلاق، لدرجة أن الأشخاص الذين كنا نعتبرهم قدوات تربوية وأخلاقية في المدرسة والإعلام أصبحوا الآن موضع استهزاء في أوساط الشباب. لهذا يجب تجاوز لغة تبادل الاتهامات والتذمر والشكوى لأنها لا تأتي بنتيجة ونختار طريق القراءة والحوار والتثقيف. بالنسبة لي من بين الروايات التي عالجت هذه المواضيع بواقعية وعبرت عنها بزاوية ذكية وصادقة رغم بساطتها السردية وسهولتها اللغوية هي رواية “الأوراق المتساقطة” التركية التي صدرت عام 1930 بقلم الكاتب المسرحي والقاص “رشاد نوري غونتكن”.

    تروي هذه الرواية قصة أسرة “على رضا بيك” الموظف العصامي والشريف الذي ربّى أولاده الخمسة على الأخلاق الحميدة وقيم الأمانة والصدق وفضّل تقديم استقالته من العمل على قبول الرشاوى أو التوّرط في أعمال غير قانونية. لكن نزاهة هذا الرجل لم تمنحه السعادة التي يستحقها في خريف عُمره. حياته أصبح صعبة نظرًا لتغيرات المجتمع التي لم يعرف كيفية التعامل معها، مما سيجعل مسؤولياته العائلية تصبح تحديات حقيقية لدرجة العجز على إدارة أمور بيته. كان يردد بسذاجة أن أبنائه ملائكة وأن أسمى ميراث يتركه الأب لأبنائه هو اسم نظيف لكن زوجته المخلصة حذرته أنه هناك خطأ في تربية أبنائه الذين لطخوا في الأخير اسمه النظيف بالعار.

    نقطة التحول في حياة هذه الأسرة هي انتقالها من الريف إلى المدينة. في البداية يواجه رب الأسرة مشاكل مادية تؤدي إلى نشوب خلافات مع زوجته التي اعتادت الإنفاق ببذخ. لم تتوقف معاناته عند الجانب المادي، إذ أن انتقاله إلى العاصمة أسنطبول جعله يفاجئ بتغييرات كثيرة شهدها المجتمع التركي نتيجة تأثره بالعولمة وبالثقافات الأجنبية. في النهاية بدأ يشاهد أولاده يتساقطون على مرأى منه كأوراش الشجر في خريف حياته، في الوقت الذي كان يأمل أن تبقى شجرة العائلة صلبة وشامخة في وجه جميع المشاكل والتغيرات الاجتماعية العاصفة.

    على الرغم من أن الرواية في فترة عشرينيات القرن الماضي إلا أن قضاياها ما تزال مُعاصرة وتنطبق على وقتنا الراهن وتعبر عن مختلف المجتمعات الإسلامية وهذا ما جعل المسلسل المُقتبس عنها يعرف نجاحًا كبيرًا ويصل للموسم الخامس.

    الرواية تجمع بين القيم المثالية والمادية والانسلاخ عن الماضي وهذا ما يمثل المجتمع التركي الذي تجاوز فترة الخلافة الإسلامية والإمبراطورية العثمانية كي يلاحق التيار الأوروبي في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى ليصير جمهورية علمانية حديثة.

    إنها رواية عن قضايا مهمة أولها التحول الاجتماعي مرورًا بالخلافات العائلية التي تنتج عن الصراع بين الأجيال بسبب سوء التواصل فيما بينهم واختلاف حاجاتهم ومصالحهم. كما أنها تطرح أزمة عائلة وجدت نفسها حائرة بين الحفاظ على العادات التقليدية التركية والانفتاح على القيم الأوروبية الجديدة.

    الرواية تساءل مفهوم الشرف وهل هو سيعيش عند الأجيال اللاحقة بنفس مفهومه التقليدي كما تبرز دور المال في حياتنا الذي أصبحت له قيمة مثالية. إنها من بين روائع الأدب التركي الذي يستحق أن نتعرف عليه ونمنح فرصته التي يستحقها.

قراءة ممتعة.

صدر بجريدة الأخبار. بقلم زكرياء ياسين.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...