«اذهب حيث يقودك قلبك» رواية إيطالية عن الصداقة بين الأجيال.

     هناك كتب من الممكن قراءتها في يوم واحد بسبب بساطتها اللغوية وجماليتها، لكن حينما تكون الرواية مؤثرة وتقدم خبرات في الحياة؛ تصير القراءة البطيئة ضرورة. هذه حالة رواية هذا الأسبوع التي تستحق أن تقرأ ببطء شديد لتفكر فيها وتتمعن في رسائلها. إنها رواية للكاتبة سوزانا تامارو، صدرت عام 1994 وصارت من أشهر الروايات الإيطالية.

     تحكي قصة سيدة مثقفة تجاوزت الثمانين، تشعر أنها ستموت بسبب مرضها. لهذا قررت أن تكتب قصة حياتها واعترافاتها لحفيدتها التي هاجرت إلى أمريكا. تكشف لها كذبة العائلة، حقيقة المجتمع وجزء كبير من حياتها لتتعلم من تجربتها وإخفاقاتها. وتحظى بحياة أفضل من تلك التي حصلت عليها أمها وجدتها.

     الرواية تراسُلية لأنها بالكامل عبارة عن رسائل كتبت بضمير المتكلم وبطريقة اليوميات مما يجعلها حميمية. يتداخل فيها الماضي بالحاضر كما يتداخل الحوار والسرد بشكل ممتع. من بين مواضيعها الرئيسية: صراع الأجيال وكيف يمكن خلق تواصل إيجابي بغض النظر عن الفجوة العُمرية والاختلافات الثقافية. طبيعة العلاقات العائلية وهل حبُنا لآبائنا وأمهاتنا فطري أم قائم على المصالح. ناقشت الرواية أيضًا النفاق والمجاملات وحياة التظاهر وكيف تدمر هذه المظاهر الاجتماعية السلبية فردانية الأشخاص وسعادتهم.

     هناك ثلاث شخصيات رئيسية، كل واحدة منهما تمثل جيلًا مختلفًا ونمط تفكير مختلف؛ من خلالها نتعرف على تطور الفكر في المجتمع الإيطالي. الجدة تمثل الحكمة والقبول غير المشروط بينما الابنة تعبر عن الضياع والبحث عن الهوية والحفيدة بهجرتها نحو أمريكا وتركها بيت العائلة تجسد الطموح والرغبة في الاستقلالية وإثبات الذات. من أجمل الأشياء في الرواية بالإضافة لأهمية المواضيع وجمالية اللغة، أذكر شخصية الجدة “أولغا” التي تعتبر أن لمس شجرة لا يختلف عن لمس أي كائن حي. تعتبر الحرب مذبحة، تكره جرائم الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية، تتعاطف مع مذبحة البلقان. تصف ألمها بسبب حروب الإنسان بالشوكة المغروسة في القلب. تعيش وسط الطبيعة برفقة كلبها المُخلص وحديقتها التي تعتني بها. لديها فضول للعلوم الطبيعية ولعالم الحيوانات، تشاهد الأفلام الوثائقية، تنقذ الطيور المجروحة وتسعفها. إنها إنسانة شاعرية ولا عنفية. أعجبتني شخصياتها كثيرًا حتى بدأت أشعر أنها كتبت يومياتها من أجلي.

     على الرغم من نجاح الرواية العالمي، إذ تجاوزت 16 مليون نسخة وتم اقتباسها في السينما لم تقم الكاتبة بنشر جزء ثان إلاَّ بعد مرور عشرون سنة. لهذا شهرة الرواية مستحقة وتستمد قيمتها الحقيقية من محتواها وفكرها وليس فقط من النجاح الإعلامي أو التجاري.

     الرواية تدعو للتأمل حول مواضيع كثيرة. بداية بالخلاص، هل سنظل نكرر نفس أخطاء آبائنا أم يمكننا أن نتحرر من دائرة القدر الذي تفرضه علينا بيئتنا وكل ما خلّفه لنا أسلافنا عن طريق الدم. هل صحيح أن قانون عالمنا يتأسس على معيار البقاء للأصلح. ما هو الفرق بين العقل والقلب وماذا يجب أن نتبع كي نخلص لذواتنا في بيئة تفرض علينا أفكارًا تقليدية ومعتقدات جاهزة.

     الكاتبة سوزانا تامارو تعرف كيف تحول المشاعر الرقيقة إلى كلمات. إنها صانعة متميزة للكتابة. ولكن لم نكن سنتذوق جمالية كتابتها ولغتها لَولا الترجمة المتميزة لأماني فوزي حبشي التي استطاعت أن تحافظ على روح النص الأصلي.

     إنها رواية عن العائلة، الحب، الحياة، الغفران، القبول والتفاهم. هذا الكتاب يجعلك تتجاوز الكثير من الأحكام المسبقة عن العلاقات الإنسانية. كما يساعدك لترى الترابط بين أشياء كثيرة تبدو متناقضة لكن إذا نظرت إليها بشمولية، تكتشف حقيقة أنه يجب أن ترى أولًا ما يوجد بداخلك كي تجد أهدافك الحقيقية.

زكرياء ياسين.

عبد الرحمان، شاطئ أكادير/المغرب

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...