«إله الصدفة» رواية عن البؤس الإفريقي من رفاهية الدنمارك.

    الأدب الإفريقي ما يزال غائبًا أو بالأحرى مُغيبًا عن الساحة الثقافية العالمية على الرغم من استعماله اللغات الإنجليزية والفرنسية، لكن أن تصدر رواية من الدنمارك تدور أحداثها في عمق إفريقيا يصبح الوضع مثيرًا للتساؤل.

    صدرت رواية “إله الصدفة” باللغة الدنماركية عام 2011 بقلم «كريستين تروب» التي تعتبر من أبرز كاتبات وشاعرات الدنمارك، مما جعلها تحصل على منحة التفرغ الأدبي مدى الحياة للكتابة الإبداعية. وصلتنا روايتها إلى العربية عام 2013 بترجمة العراقية دنى غالي.

    الرواية عن حوار الثقافات وإعادة التواصل بين إفريقيا وأوروبا على نحو الخصوص. قيمة المال في المجتمع الاستهلاكي الأوروبي حيث أصبح المال هو السيد ولكنه على الرغم من ذلك لا يحل جميع المشاكل مثل الهجرة الاضطرارية، عمالة الأطفال، بؤس الفقراء، عدم التواصل والتفكك العائلي.

    تركز الرواية على قصة “نانا” وهي سيدة أعمال دنماركية تعمل في قطاع التمويل الدولي، ناجحة وثرية لكنها تنفر من الترابط البشري وتنغمس في الحياة العملية حتى صارت تعتبر نفسها راهبة والعمل صلاتها. حينما سافرت في عطلة إلى غامبيا في أفريقيا الغربية، من أجل الاستجمام وإعادة تنظيم عقلها المُضطرب. تعرفت هناك على “مارياما” وهي فتاة فقيرة تبيع وجبات خفيفة للسُياح على الشاطئ. بسرعة يحدث تواصل قوي معها ثم تتكرر لقاءاتهما لتصير شيئًا فشيئًا مثل عائلتها التي لم تحظى بها وهكذا ينتهي بها المطاف لمساعدتها في الهجرة نحو أوروبا لتحصل على حياة أفضل. لكن مارياما تحدث لها صدمة ثقافية في البلد المُضيف وتصبح حياتها صعبة. نانا ومارياما تختلف ظروف حياتهما تمامًا. الأولى، تكره الارتباط بالبشر وتخاف من الجراثيم التي تنتقل كل ثانية بالتلامس البشري. لقد ولدت بطريقة اصطناعية، وبالتالي لم تعرف أباها الذي تبرع بسائله المنوي. بينما الثانية عاشت حياة فقيرة في بلدها الغارق في التقاليد المتخلفة والقمع والعنف والاستغلال.

    أثناء القراءة نتجول بين ثلاثة بلدان وبيئات مختلفة: غامبيا، كوبنهاغن وأخيرًا لندن، العاصمة البريطانية. في صفحات نكون في فندق فخم إفريقي يقيم فيه السياح بترف بينما أهل البلد البؤساء يعيشون في الفقر المدقع، ثم ننتقل إلى شقق دنماركية مصممة بترفٍ وفي نهاية الرواية نجد أنفسنا في مجتمع إنجليزي متعدد الثقافات وصاخب بالمهاجرين.

    الرواية محيرة جدًا وأكثر جزء محير، هو الجزء الخاص بلندن وكوبنهاغن. حيث نرى الفارق كبير بين افريقيا وأوروبا لا من ناحية نمط الحياة أو طريقة التفكير. 

    تستعرض لنا الرواية التزام السيدة نانا نحو الفتاة الافريقية واصرارها لتعليمها وتأمين حياة أفضل لها. لكن لا تحدث الأمور كما تتمنى. النهاية تثير الجدل والاستغراب، ربما تكون تهكمية من هذا العالم الذي نعيش فيه. حيث نرى باستمرار الالتزام الأوروبي نحو إفريقيا الغنية بالثروات لكنها تظل تعاني من الديكتاتوريات السياسية المحلية التي تضمن سرقة خيراتها الطبيعية. فهل يا ترى نهاية الرواية هي بغرض السخرية من محاولات تقليص التفاوت الحضاري بين القارتين.

    من يحكم عن الكتاب من عنوانه يحسب أنه رواية عن موضوع ديني لكنها ليست كذلك. إنها رواية عن علاقة الأنا بالآخر وحوار الثقافات والفوارق الاجتماعية والحضارية. ليست رواية عن الإله ولا عن الصدفة، لكنها عن الذين يعبدون الإله الذين تعرفوا عليه عن طريق الصدفة بسبب موقعهم الجغرافي وانتمائهم العائلي. إنها رحلة امرأتين كل واحدة تمثل جيل وثقافة ومجتمع مختلف لكنهما معًا يبحثان عن المعنى لهذا الوجود. إنها رواية عن إله الصدفة.

دامت لكم صداقة الكتب.

زكرياء ياسين، نشر المقال بجريدة الأخبار.

 

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...