«أوراقي..حياتي» سيرة ذاتية عن الصدق والتمرد.

     يقول الكاتب المسرحي الإيطالي “الحياة إما أن تكْتب أو تُعاش، وأنا لا يمكنني أن أعيشها إذا لم أكتبها” وهذه المقولة تتحققُ حرفيًا مع نوال السعداوي التي سجلت حياتها وحولتها لأوراق في سِيرتها الذاتية الشهيرة “أوراقي.. حياتي” التي تتكون من ثلاث أجزاء نشرتها على التوالي في الأعوام: 1995، 1998 و2001. 

     من خلال «أوراقي.. حياتي» أظهرت نوال كيف أن الكِتابة هي مظهر من مظاهر الحياة وأنها تحب الكتابة ليست لأنها مجرد طريقة للتعبير عن الذات أو لتسجيل معارفها وذكرياتها ولكن لأن الكتابة هي حاجة مثل التنفس والأكل حتى تستمر حياتها الفكرية في التطور والنُضوج. بدون كتابة لا يمكن أن تستمر في حياتها. إنها سيرة ذاتية تتكون من ثلاثة أجزاء، تروي فيها نوال السعداوي قصة حياتها منذ لحظة ولادتها إلى حين وصولها التعليم الجامعي، وهجرتها إلى أمريكا وزواجها الأول والثاني والثالث وحتى قصص طلاقها. تكلمت عن ظروف ولادتها وعملها ودراستها وصداقاتها وعلاقاتها العائلية وفي الوقت ذاته لم تنسى أن تشير لقصص شخصيات كثيرة أخرى. وصفت الكثير من الأماكن والشخصيات في عائلتها ومحيطها الاجتماعي. لهذا لم يبقى الكتاب سيرة ذاتية فقط بل رواية لها بعد اجتماعي وسياسي من خلاله سجلت أحداث تاريخية مهمة في تاريخ مصر الحديث. لكن جميع هذه المكونات موجودة بالتوازي مع سرد  لِظروف نشأتها ودراستها وتطور فكرها وشعورها بالعالم المحيط بها بلغة صادقة وشفافة وبعيدة عن التكلف والزخرفة اللغوية. 

    حينما أنهيت القراءة شعرت بالدوار من دهشتي وإعجابي الشديد بشخصيتها وإخلاصها الشديد لمبادئها وأخلاقها التي صنعتها باختيارها، وحريتها التي صنتعتها بنفسها ولم تطلبها. أنهيت الكتاب وأنا أشعر بالحب وبالتعاطف نحو هذه الإنسانة العظيمة. إنها كاتبة وفنانة. لقد تبعَت شغفها ولم تحصر نفسها في الطب وفي الوظيفة والتسلق نحو المناصب. أفضل شيء عملته في حياتها هو أنها استمرت في الكتابة وبالإيمان بنفسها. بدأ ذلك منذ الطفولة واستمر في باقي سنوات حياتها، ويبدو أن دور الوالدين كان مصيريًا. إذْ أن علاقتها بالأم والأب مؤثرة جدًا. ما زلت أذكرُ الفصل ما قبل الأخير في الجزء الثاني، عن موت الأم. لقد كان جد عميق، بعنوان “ليس لأمي مكان في الجنة“. أما الفصل الأخير عن موت الأب كان حزينًا بشكل غريب. كلماتها جعلتني أتواصل معها بشكل مختلف وأراجع الكثير من الأشياء في حياتي وأقدرها.

     أفضل ما أعجبني في طريقة الكتابة هو بَساطتهِ الأسلوب وتعقيده في نفس الوقت.. تجد في سيرتها الذاتية سير أشخاص آخرين. هكذا هي نوال، إنسانة غير أنانية؛ مرتبطة بالآخرين عبر الماضي والحاضر والمستقبل. إنها حياتها غنية بالتجارب وسيرتها الذاتية غنية بالدروس الأخلاقية والتجارب الحياتِية. حين تقرأها تجد أساطير الأولين والأديان والعلوم والفنون ونقدٍ اجتماعي وسياسي ومناقشة لكل المواضيع بما فيها المحرمات: الدين والجنس والسياسية.

     من بين أبرز المشاعرالتي أتذكرها هي شعورها بالغربة داخل مصر وخارجها فهي لا تعتبر الوطن جغرافيا بل شعور خاص وبالنسبة لها الوطن هو حيث يكون الحب والعدالة والحرية. بالإضافة لشعور التحالف مع زوجها، إذْ يحلمان معًا بتغيير العالم وإسقاط الرأسمالية الكونية، إنهما زوجان يتشاركان الفصل الدراسي والفراش والطموح الإنساني. أما فيما يخص المواضيع الموجودة في هذه السيرة الذاتية فهي جد متعددة ومختلفة، وعلى الرغم من تناقضها الظاهري إلا أن نوال تقوم بمناقشتها بنظرة شمولية منسجمة حيث تربط بين أشياء تبدو بعيدة وغير مترابطة لكن بنظرتها الصادقة تستطيع أن تجعل كل شيء ذو صلة. لكن يمكن تلخيص المواضيع الرئيسية في الصراع مع العالم الغارق في العنصرية، التطرف الديني، القمع السياسي والذكورية. جميع هذه المظاهر الفكرية والاجتماعية السلبية هي التي جعلت نوال تدخل في تحديات مستمرة. كلما تنجح في تحدي تجد آخرًا حتى يصير لقب “زعيمة التمرد” لقبًا مستحقًا. إنها متمرد ضد النفاق والجهل الكذب وحليفة للعلم وللأدب وللكتابة.

     في هذه الكتب ذكرتني نوال السعداوي بالكاتب يوكيو ميشيما، حينما تكلمت عن حديثها حول الكتابة وكيف أنها تجسد شكلًا جديدا للحياة. تمامًا كما كان يقول ميشيما الذي انتحر بعدما أنهى رباعيته الروائية “بحر الخصوبة”.

     نوال لها ذاكرة قوية ومع هذه السيرة حفظت للأبد ذكرياتها. كما ضمنت أن نضالها من أجل حقوق الإنسان والعدالة والكرامة سيكون درسًا للأجيال القادمة. شكرًا نوال على المشاركة. شكرًا لأنك جعلتني أتعرف على أشياء حميمة وخاصة ألهمتني ومنحتني الكثير من المشاعر التي لم أكن أتوقع أن أتقاسمها مع إنسان. بهذه الطريقة لن يشوهوا نهائيًا حياتك أمام قراءك ولن يحرفوا حقيقة نضالك وكفاحك. 

     أتمنى أن تصدر في أقرب وقت الجزء الرابع ولما لا الخامس والسادس والسابع. أثق بذاكرتها وبأسلوبها وبغزارة إنتاجها الأدبي هذه هي أروع سيرة ذاتية قرأتها لحد الآن، ليس لمجرد حبي الكبير لنوال السعداوي ولكن لأنها احتوت على معارف وأفكار وحوارات فكرية عميقة وقصص إنسانية وأشياء كثيرة. 

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...