«أنا هي والأخريات» رواية لبنانية تكشف حقيقة تحرير المرأة.

    عندما تُثير روايةٌ ما جدلًا، وتجعل آراء القُرّاء فيها مُتناقضة، يصير الحكم عليها من خلال آراء الآخرين حماقة كبيرة. شخصيًا هذا هو النوع من الروايات التي أرغب في قراءتها بشدّة، كي أكوّن وجهة نظري الخاصة عنها، ولأناقش آراء القُرّاء الآخرين. وهذا ما حدث لي هذا الأسبوع مع «أنا، هي والأخريات»، وهي رواية للكاتبة الصحفية والروائية جنى فواز الحسن. صدرت لأوّل مرة في لبنان مطلع عام 2012، ثم وصلت العام الموالي للقائمة القصيرة لجائزة البوكر الأدبية.

    الرواية تندرج ضمن رواية النقد الاجتماعي، كما أنها رواية واقعية وتأملية، تروي قصة “سحر” المأساوية منذ طفولتها إلى حين زواجها، التي تقع في نفس الوضع الذي هربت منه كي لا تكون نسخة من أمها، لكنها تعيش نفس الوحشة والمعاناة بتفاصيل أخرى، لتعترف في آخر الأمر أنّها نسخة أخرى من والدتها. الجدير بالذِّكر في سرد الرواية أنّ الشخصية المحورية في الرواية متصلة بشخصيات نسائية أخرى يُتعرَّف عليها بشكل موازٍ؛ وهذا ما يعبّر عنه عنوان الرواية بشكل مُتقَن ومتّسق مع مضامين الفصول، حيث نجد الكاتبة تقصُّ قصة “سحر” بضمير المتكلم “أنا”، وبالموازاة مع ذلك تُعرّفنا على قصة “هي”، بالإضافة إلى تجارب مجموعة إناث وهنّ “الأخريات”.

    إنها رواية عن قضايا اجتماعية ونفسية تترابط فيما بينها، من أبرزها: الحرمان العاطفي داخل الأسرة، وغياب التواصل العائلي، والأخلاق والنفاق في العلاقات الإنسانية. كما تطرّقت إلى التشدُّد الدينيّ، والذكورية، والطائفيّة في المجتمع اللبناني. ولم تكتفِ الكاتبة بهذا، إذْ أشارت إلى مواضيع حسّاسة ومسكوتٍ عنها، مثل تداخل الدين بالموروث الشعبيّ للخرافات، وكذلك السادية، وعدم الرضا الجنسي عند الزوجة. صحيح أنّ سِمَة الجنس حاضرة بشكل رئيسي، إلّا أنّ جنى الكاتبة قد كتبت عنها بشكل واقعيّ وغير مُبتذَل. كما أن طريقتها في التعبير عن معاناة المرأة تثير التعاطف والتفهّم وليس الشفقة. وكل هذا قد يجعل القارئ ينظر إلى الأمر من زاوية إنسانية.

    لغة الرواية سهلة وجميلة، زاخرة بالتشبيهات والتعابير المتفرّدة. ولدى الكاتبة أسلوب يشقُّ طريقَهُ نحو التجريب والابتكار عوضًا عن التقليد. وهذا التفرُّد لم ينقصر على الأسلوب اللغوي فحسب، بل انعكس أيضًا على تقنياتها الروائية، إذْ نقرأ في الرواية بمختلَف الفصول وجهة نظر الشخصية الرئيسية، لنعرف ليس عالم “سحر” الداخلي فقط، بل أيضًا عالم النساء الأخريات، سواء أَكُنّ الأم، أم الخالة، أم الصديقة، أم حتى النساء المُتخّيلات. وإذ تشرَعُ “سحر” -التي تعشق الخيال وسرد القصص-بسرد قصتها الشخصية بذاك الشكل المميِّز لسردِها، يتبادر لذهني سؤال، أَتُراني أقرأ قصةً لشخصية واحدة، أم أنّني أقرأ قصصًا لمجموعةٍ من الشخصيات؟!

    هذه الرواية قد يعتبرها بعض القُرّاء إباحيّة لمجرّد أن كاتبتها صريحة وصادقة في التعبير عن معاناة النساء، إلّا أنّني أجدها روايةً مؤلمة ومؤثرة. تكمنُ أهميتها في أنّها تعرّي لنا عيوب المجتمع، وتكشف ما يحدث وراء الأبواب المغلقة بجرأة، كما تغيِّر الصورة النمطية الخاطئة التي يروّجها الإعلام عن المرأة اللبنانية والعربية في عصرنا. لهذا قد يتبدّى أنّ الأخريات في الرواية هنّ جميع النساء اللاتي ما زلن يخضعن للقهر الجنسيّ والأبوي بمختلف الأشكال.

    صدق الرواية وبعدها الواقعي جعلها تحمِل بعض مفاتيح تحرير المرأة الحقيقيّ في مجتمعنا، بدءًا من التأمّل ومراجعة الذات، وانتهاءً بالتعرّف على الجذور الحقيقة لمظاهر التمييز ضد المرأة. وهو يجعلني أرشّحها كي تُدرج ضمن المقرر الدراسي، نظرًا لقيمتها المعرفية والتوعية التي تقدمها، ليقرأها التلاميذ لأهداف تربوية وتعليمية، طامحين أن نرى جيلًا يؤمن بحقوق الإنسان دون أن يفصلها عن حقوق المرأة.

قراءة ممتعة.

زكرياء ياسين، جريدة الأخبار.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل التعليقات...